#adsense

خير الأمور الوسط

حجم الخط

خير الأمور الوسط

كثر الحديث في الاونة الاخيرة، بمناسبة اقتراب الاستحقاق النيابي، عن الوسطية ودور الكتلة النيابية التي يمكن ان تنبثق عنها في كسر حدة الانقسام بين الاصطفافين المعروفين 14 و8 آذار. وكان اللافت في هذا السياق المواقف الحادة التي صدرت عن الجنرال ميشال عون وسليمان فرنجية وآخرين من نفس الفريق السياسي، في حين سجلت جهات سياسية اخرى في قوى 14 آذار، ترحيبها بأي توجه او مبادرة تهدف الى تشكيل كتلة نيابية تعمل على الجمع بين الاطراف المتخاصمة من جهة وترجح كفة تفعيل مشروع الدولة من جهة ثانية.

المدهش في امر السجال الدائر بشان الكتلة "الوسطية"، هو حدة المواقف والنبرة من توجه بعض الشخصيات ومبادرتها الى محاولة تغيير الواقع الانقسامي المأزوم من ضمن اللعبة والاعراف الديمقراطية المتعارف عليها. ومصدر هذه الدهشة يكمن في تجاهل القوى التي يبدو انها منصدمة بالدعوة الى "الوسطية"، عن قصد او من دون قصد، لطبيعة لبنان المتوسطي القائم على تعدد وتنوع مكوناته البشرية والاجتماعية والثقافية تماما مثل تنوع جغرافيته وتضاريسه ومناخاته.

فمن يراجع تاريخ لبنان منذ الاستقلال في اربعينات القرن الماضي، يدرك ان اوضاع لبنان السياسية والامنية والاقتصادية لا يمكن ان تستقيم بالتطرف نحو اليمين او نحو اليسار، او يمكن ان يستقر لبنان بالجنوح نحو الاسلام السياسي او المسيحية السياسية. كما ان تجارب لبنان عبر التاريخ تقول ان التطرف يستدعي التطرف في الخطاب اولا ومن ثم يجري الانزلاق نحو العنف. وهذا ما حصل في خمسينات القرن الماضي عندما تخلى لبنان عن توازنه وتوسطه بين المحاور العربية والاقليمية والدولية، والامر نفسه عاد وحدث في سبعينات القرن نفسه، عندما آثر فريق من اللبنانيين الالتحام بالفلسطينيين وفريق آخر التقارب مع اسرائيل.

ان لبنان بموقعه الجغرافي وواقعه الاجتماعي ـ الديموغرافي والثقافي والحضاري، هو من اكثر المجتمعات حاجة لـ"الوسطية" والاعتدال، واكثرها مصلحة في الابتعاد عن التطرف والاصطفاف سياسيا كان، طائفيا ام مذهبيا. كما انه لا حاجة للتذكير بان فترة الازدهار والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي التي شهدها لبنان لا يمكن فصلها عن هذه الوسطية التي انعكست في المجال الاقتصادي توسعا للطبقة الوسطى على حساب الطبقة المعدمة من جهة، والطغمة المالية من جهة ثانية.

بناء على ما تقدم، وبعيدا عن اي تحيز او انجذاب لاي من المواقف المتعارضة بشان الوسطية، فان التجربة كما المنطق تدل وتبين بان صيغة الوسطية الوطنية الصادقة والمتزنة هي اكثر ما يناسب طبيعة لبنان وواقع اللبنانيين. من هنا يصح تقويم المواقف من الطرح الوسطي ومن رفضه او تاييده بغض النظر عن هوية وايديولوجيا اصحاب الطروحات المبادرة، المؤيدة او الرافضة.

يحاول البعض ممن يهاجم الطرح الوسطي الى جانب اعترافه المسبق بتطرف قوى 8 آذار، اسقاط وضعية التطرف ايضا على فريق 14 آذار، ممعنا في اتهام القوى والشخصيات المنادية بالوسطية بانها الاسم الحركي لهذه القوى. وهذا الامر في الحقيقة لا يمكن اعتباره الا شهادة جديدة بوطنية واعتدال ومرونة طروحات 14 آذار وقدرتها على احتواء القوى والشخصيات الوسطية، وذلك خلافا لطروحات 8 آذار غير القابلة او القادرة على استيعاب او قبول إلا كلّ من سلم امره من دون مناقشة لقادة محور الممانعة الذي اثبت في اكثر من استحقاق ومناسبة ان لبنان لا يعني له سوى ساحة او راس حربة للمواجهة او المقايضة.

خير الامور الوسط هو قول مأثور يصلح العمل به اكثر ما يصلح للبنان واللبنانيين. والوسطية التي تناسب لبنان تعني مراعاة مصلحة الوطن والمواطنين في معالجة الملفات الداخلية، والتعاطي بتوازن وحكمة مع المحاور العربية والاقليمية، ولا تعني الوسطية ابدا التردد او الحياد في مسالة الصراع مع اسرائيل التي تستوجب راهنا التفاعل مع هذا الصراع من باب دعوة الفلسطينيين الى التصالح والعرب الى وقف المزايدة والمتاجرة، والعمل مجتمعين من اجل فلسطين والفلسطينيين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل