الكتلة الوسطية نهج مشروع ورفضها مصادرة لخيار الناخب
يذخر التاريخ اللبناني المعاصر بنهج (الوسطية) رئاسياً ووزارياً ونيابياً، وعودة طرحها اليوم ليس ابتكاراً لنهج سياسي جديد بل احياء لتقليد سار عليه لبنان منذ الاستقلال، وهذا الخيار ليس استفزازاً من فريق بحق فريق آخر، ولا يجوز أن يكون تهمةً يوجهها طرف الى طرف آخر، بل هو قناعة من المرشح وحق للناخب في أن يؤيده أو يرفضه.
على المستوى الرئاسي، يذكّرنا التاريخ بأنه في مطلع السبعينات من القرن الماضي، كانت المعركة الرئاسية محتدمة بين الحلف الثلاثي بأركانه الثلاثة الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل والعميد ريمون اده، في مقابل النهج بقيادة الشهابية، برز اسم المرشح (الوسطي) الرئيس سليمان فرنجيه وفاز في الانتخابات الرئاسية.
خلال الحرب اللبنانية برز (تجمع النواب الموارنة) كخطٍ وسطي مع وجود (الجبهة اللبنانية) وكان مؤلفاً من نواب موارنة معتدلين، وفي مرحلة لاحقة وصل واحدٌ منهم الى سدة الرئاسة هو الرئيس الراحل الياس الهراوي.
من الجانب الآخر وُلد (اللقاء الاسلامي) كخيار وسطي في وجود (الحركة الوطنية). حتى عند وصول رئيس حزبي الى سدة الرئاسة، وهو الرئيس أمين الجميل، جرى الحديث عن (حزب الحاكم) وليس (الحزب الحاكم)، وصولاً الى اليوم حيث هناك في الحكومة (كتلة وزارية) ليست من 14 أو من 8 آذار بل (كتلة وسطية) أقرب الى رئيس الجمهورية.
***
الضجة المفتعلة اليوم حول (الكتلة الوسطية) هي ضجة في غير محلها، فحتى داخل الكتل النيابية الملتزمة هناك نواب وسطيون اختارهم رؤساء الكتل ليس بسبب التزامهم بل انطلاقاً من حيثياتهم الشعبية والانتخابية وأحياناً من (حيثياتهم المالية) لأنهم يستطيعون تمويل الحملة الانتخابية.
***
أكثر من ذلك، فان القوى السياسية اليوم هي قوى ائتلافية، فلقاء قرنة شهوان سابقاً كان تجمعاً لقوى وأحزاب وتيارات لها التزامات متعددة لكنها تلاقت عند أهداف محددة، واليوم فان المعيار ذاته ينطبق على قوى 14 و8 آذار، فداخل كل فريق هناك أحزاب وتيارات لديها التزاماتها الخاصة لكنها تلتقي عند أهداف محددة.
***
واذا أخذنا الأمور بمنطق معكوس تتبلور أمامنا الحجج الضعيفة لرفض الكتلة الوسطية، فهل كل مَن يريد أن يترشح الى الانتخابات النيابية عليه أن يتقدم بطلب انتساب اما الى 14 آذار أو 8 آذار؟ وماذا لو كان المرشح غير مقتنع بخيار كلّ من هذين الفريقين، أليس له وجود في الحياة السياسية اللبنانية؟
الخطأ الفادح الذي يقع فيه رافضو الكتلة الوسطية هو انهم يعتقدون بأن على المرشح الوسطي أن يُقدّم (امتحاناً سياسياً) أمامهم، وقد فاتهم إن (الامتحان السياسي) يُقدَّم أمام الناخب وليس أمام المرشح.
فالعماد عون يقول عن الكتلة الوسطية انها (الاسم الحركي لقوى 14 آذار) اذا أراد المرشحون الوسطيون مناقشة هذه (التهمة) فما العيب فيها؟ أليس مسموحاً في الأنظمة التوافقية (ولبنان منها)، أن يكون هناك ائتلاف بين القوى التي تمثل الشعب في مجلس النواب؟ ولندخل أكثر في التفاصيل: حين جرت انتخابات زحلة، ألم تفُز (الكتلة الشعبية) وانضمت لاحقاً الى تكتل التغيير والاصلاح؟ هل عابَ أحدٌ أن تكون (الكتلة الشعبية) هي الاسم الحركي لتكتل التغيير والاصلاح؟ ثم لماذا يتهم العماد عون الآخرين بما يسمحه لنفسه؟