الثورة وعبء الدور
قرب ضريح الخميني يحتفل محمود أحمدي نجاد بالذكرى الثلاثين للثورة. يحدّق في المنطقة والعالم ويشعر بارتياح شديد. يسرف في الغرف من قاموس المنتصرين ويجدد العهد لمفجّر الثورة. يقول إن الثورة «ليست محصورة في إيران» وإنها مستمرة «حتى إحلال العدل»، ويؤكد أنها «لا تزال حية». وموجز الرسالة أن قيام الدولة لم يطفئ جمر الثورة.
واستناداً الى قاموس الانتصار نفسه يرد أحمدي نجاد على عرض إدارة باراك أوباما التحاور مع بلاده. يطالب القوة العظمى الوحيدة بانسحاب قواتها من مختلف أنحاء العالم. وبوقف دعمها لاسرائيل. والاعتذار عن الجرائم التي ارتكبها الأميركيون بحق إيران.
ينظر أحمدي نجاد الى المنطقة والعالم ويبالغ في الشعور بارتياح شديد. أميركا غارقة في خضم أزمة مالية عالمية يستلزم الخروج منها قرارات مؤلمة. إدارة أوباما تأمل بتسريع موعد الانسحاب من العراق. تحتاج الى هذه القوات لزج قسم منها في حرب أفغانستان حيث يتقاتل عدوّان لإيران: أميركا وطالبان.
يبتسم. النفوذ الإيراني في المنطقة بلغ حداً غير مسبوق. لا يستطيع رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي تجاهل إيران في خياراته الأساسية في الداخل والخارج. لإيران تأثير مباشر على الاستقرار العراقي. لا يستطيع الرئيس اللبناني ميشال سليمان تجاهل إيران في خيارات الأمن والاستقرار والسياسة الاقليمية والدولية. يدرك سليمان أن «حزب الله» هو «الرقم الصعب» في المعادلة اللبنانية. ويدرك أن «حزب الله» لاعب داخلي واقليمي في آن. لا يستطيع الرئيس محمود عباس تجاهل إيران حين يدعو الى مصالحة وطنية فلسطينية أو الى تهدئة طويلة الأمد مع إسرائيل. ولا يحتاج الأمر إلى دليل. فغداة زيارته لضريح الخميني كان أحمدي نجاد يستقبل زائراً اسمه خالد مشعل. وعشية زيارة زعيم «حماس» إلى طهران كان الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني يعلن ابتهاجه بحجم النفوذ الإيراني في العالم، مؤكداً «أن سكان غزة وحزب الله ألحقوا هزيمة بجيش النظام الصهيوني بفضل النفوذ الإيراني».
في الحديث عن الدور الإيراني لا بد من الالتفات إلى محطات ثلاث. الأولى ما انتهت إليه المغامرة الأميركية في العراق. والثانية «حرب تموز» في لبنان وما أسفرت عنه لجهة تأكيد الحضور الإيراني على المتوسط وعلى خط التماس العربي – الإسرائيلي. والثالثة في غزة وهي انتهت بتأكيد حضور إيران على أرض القطاع.
أي قراءة هادئة لتصريحات المسؤولين الإيرانيين توضح مضمون الرسالة التي توجهها طهران إلى واشنطن. ومفاد الرسالة أن إيران أظهرت قدرتها على التأثير في مصير الموضوعين الأكثر أهمية في المنطقة لأميركا والغرب وهما أمن النفط وأمن إسرائيل. ولعل الرسالة تتضمن أن إيران لم تعد في وارد الاكتفاء بضمانات لسلامة نظامها والامتناع عن أي محاولة لزعزعته. وليست في وارد القبول بأن تكون أحد اللاعبين البارزين في أمن المنطقة ومصالحها واستقرارها. إن إيران تتطلع إلى أن تكون اللاعب الكبير في المنطقة.
لا شك أن إيران تابعت ومنذ قيام الثورة برنامجاً بعيد المدى سخّرت لأجله كل طاقاتها ولو على حساب التنمية الداخلية وحاجات الإيرانيين وطمأنينة جيرانها. ولا يمكن انكار أن إيران كانت محظوظة وتلقت خلال العقود الماضية هديتين كبيرتين: الأولى حين اجتاح جيش صدام حسين الكويت والثانية حين اقتلعت الآلة العسكرية الأميركية نظام صدام.
إن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تستطيع المنطقة احتمال دور إيراني بهذا الحجم؟ وماذا عن الدور العربي في الاقليم خصوصاً أن النجاحات الإيرانية تسجل على ملعبه وفي أرضه؟ وماذا عن تركيا وحساباتها الطويلة الأمد؟ وهل الطموح النووي هو لتوفير مظلة تحمي دور الدولة الكبرى في الاقليم؟ وماذا عن الدول الكبرى ومصالحها الحيوية في المنطقة؟ وهل تحتمل إيران نفسها دوراً بهذا الحجم يرتب عليها التزامات «سوفياتية»؟ وهل يحق لإيران تناسي ما آلت إليه طموحات الثورة المجاورة التي سبقتها بعقود وهزت بدايات القرن الماضي؟ من كلام أحمدي نجاد عند ضريح الخميني فهم أهل المنطقة أن الثورة لم تتقاعد وأن وظيفة الدولة إبقاء جمر الثورة حياً.