#dfp #adsense

مرحلة ما بعد غزة .. التي لا تشبه في شيء ما قبلها

حجم الخط

مرحلة ما بعد غزة .. التي لا تشبه في شيء ما قبلها !!

ليس ما بعد العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة شبيها بما قبله، ولن يكون اطلاقاً، لا في ما يتعلق بفلسطين وقضيتها التاريخية منذ أكثر من ستين عاماً، ولا في ما له علاقة بالمنطقة العربية وعلاقات القوى الاقليمية والدولية فيها، ولا بعد ذلك كله في ما يتصل بلبنان ومستقبله المنظور على وجه التحديد. والمؤشرات الى ذلك أكثر من أن تعد وتحصى، ان في السياسات العامة التي يتم التعبير عنها علناً من ناحية أو في الجزئيات التفصيلية التي تترى واقعاً على الأرض من ناحية ثانية.

أول ما يعطي دلائل ذات معنى، في هذا الاتجاه، الخطاب الذي ألقاه في الدوحة قبل أيام رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل وتحدث فيه عما وصفه بـ"مرجعية" أو "منظمة" جديدة تكون بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية وتعمل على انشائها فصائل فلسطينية بعينها في وقت ما قريب أو بعيد.

الكلام حول هذه النقطة، حتى لو بقي كلاماً في الهواء لفترة من الزمن، انما يفتح الباب، أقله نظرياً حتى الآن، على خطرين فادحين بالنسبة الى الشعب الفلسطيني، أولهما ضرب وحدانية تمثيله من خلال منظمة التحرير الفلسطينية بعد نضال طويل من أجلها، وثانيهما محاولة تأكيد ما سعت القوى التي تسمي نفسها باسم "المقاومة والممانعة" لبلوغه منذ فترة: قلب الأوضاع الفلسطينية التي استجدت بعد اتفاق أوسلو العام 1992، واعادتها الى ما كانت عليه قبل ذلك التاريخ.

وما استجد في سياق اتفاق أوسلو، لمن لا يعرف، كان تبادل الاعتراف بين منظمة التحرير الفلسطينية واسرائيل، ثم عودة قيادة المنظمة وغيرها من الفصائل الى غزة والضفة الغربية على طريق انشاء السلطة الوطنية، وصولاً بعد ذلك (برغم التعقيدات والعقبات) الى اعتراف العالم، بما فيه الولايات المتحدة واسرائيل، بالحاجة الماسة الى انشاء دولة فلسطينية مستقلة تعيش بأمن وسلام الى جانب اسرائيل.

وغني عن القول أن انهاء اتفاق أوسلو، باعلانه ملغى أو غير ذي موضوع (لا فرق هنا ان كان الالغاء من المنظمة الجديدة أو من اسرائيل)، واعادة الأوضاع في الأراضي المحتلة الى ما كانت عليه قبل العام 1992، هما المبرر والمدخل، نظرياً وعملياً، لاعتبار أي من "المقاومة" أو "الممانعة"، أو لاعتبارهما معاً، الأداة الوحيدة الباقية، كما تقول القوى التي تحمل هذا الاسم، لتحرير الأراضي المحتلة واستعادة الحقوق الشرعية المغتصبة للشعب الفلسطيني.

وغني عن القول، في الوقت نفسه، أن مثل هذه الصورة المتخيلة تتفق تماما مع الشعارات التي تطلقها ايران و"حزب الله" منذ سنوات، ليس حول دولة فلسطين التاريخية ما بين البحر والنهر فحسب بل أيضا حول اقتراب موعد ازالة اسرائيل من الوجود … كما تقول!.

وعملياً، فسيكون ساذجاً، أو أقله قصير النظر، من لا يرى عملاً جاداً لتجسيد هذه الصورة في كل ما يقال على هامشها بعد العدوان على غزة .. من الحديث القاطع عن "انتصار" المقاومة في غزة، الى طرح سوريا وقطر وغيرهما في قمة الدوحة سحب "مبادرة السلام العربية" واعتبارها كأنها لم تكن، الى قول الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد أن السلطة الفلسطينية باتت "فاقدة الشرعية" (هل نسي أحد التعبير نفسه في وصف الحكومة اللبنانية السابقة ؟!).

على صعيد المنطقة، ليس من دون دلالة اقليمية ـ آنية أو استراتيجية ـ أن تشن أطراف ما يسمى بـ"المقاومة والممانعة" حملة منظمة ضد مصر (بدأت في الواقع قبل العدوان على غزة)، أولاً تحت عنوان المطالبة بفتح معبر رفح، ثم بتهمة التواطؤ مع العدوان لتصفية حركة "حماس"، ولاحقاً بتهمة العمل على تصفية القضية الفلسطينية كلها، فضلاً عن أن تشترك في الحملة دول مثل ايران وسوريا، وأن تحاولا تغطية نفسيهما مرة بالوقوف خلف تركيا ومرة باقتراح دور لها في الاشراف على المعابر، ودائماً باعتبارها بديلاً عن مصر في كل ما سعت اليه القاهرة بين "حماس" واسرائيل والسلطة الفلسطينية طيلة الفترة الماضية.

محاولة مكشوفة للتلاعب على، وفي ما بين، علاقات القوى في المنطقة ؟!.
لم يعد من شك في ذلك، بعدما تزامن هذا التلاعب مع ما وصف بـ"قمة بمن حضر" في الدوحة دعي اليها رئيس ايران مع اشارة نصر رسمها بأصابع يده بينما غابت عنها السعودية ومصر، وبعدما شهدته قمة الكويت من محاولة لفرض مقولات "من حضر" حتى ولو بالقوة على "من لم يحضر".

… ولمن يفكر في أي مستقبل للمنطقة، ولوحدة الموقف العربي فيها، وتاليا للقضية الفلسطينية فيما بعد، أن يضع ما يشاء من السيناريوهات الأقليمية والدولية لها في المرحلة المقبلة !.

أما على صعيد لبنان، ومستقبله القريب على الأقل، فليس ما أعلنه الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بمناسبة "يوم الأسير" الا مؤشراً خطيراً بدوره على ما يمكن أن يشهده هذا البلد في المرحلة المقبلة.

وما قاله السيد حسن، بكلمات مختصرة، يصح فيه أنه "عود على بدء" الى ما قبل العدوان الاسرائيلي على لبنان في العام 2006، لناحية ربط سلاح الحزب مجدداً بما بقي من أشلاء اللبنانيين وغير اللبنانيين في المقابر الاسرائيلية، فضلاً عما بقي من مزارع شبعا والغجر وتلال كفرشوبا تحت الاحتلال. هو "ربط نزاع" مستجد، وان لم يكن تحت التهديد هذه المرة، على قاعدة استبعاده شن حرب على اسرائيل لهذه الغاية، بدعوى أن اسرائيل هي التي شنت الحرب في العام 2006 وليس "حزب الله" الذي لم يفعل الا أنه خطف الجنديين فقط من أجل مبادلتهما بالأسرى وجثامين الشهداء.

وبهذا المعنى، فهو "ربط نزاع" ليس مع العدو ومطالب لبنان منه (الانسحاب من الأرض واعادة الاشلاء) فقط، وانما مع اللبنانيين أيضا بينما هؤلاء يتبادلون أوراقاً وخططاً ومشاريع على "طاولة الحوار" حول ما يوصف بـ"الاستراتيجية الوطنية للدفاع".

هل في هذه الصورة لما بعد العدوان على غزة ما يشبه في شيء قليل أو كثير ما كان قبل هذا العدوان، فلسطينيًا أولاً، وعربياً واقليمياً ثانياً، وبالتالي لبنانياً من جهة ثالثة ؟!.

الواقع أن مرحلة جديدة تماما قد بدأت في المنطقة، وعلى مساحة قضاياها الوطنية والقطرية والاستراتيجية كلها، عشية السابع والعشرين من كانون الأول العام 2008 عندما قررت حركة "حماس" ـ بوعي منها لما تفعله أو من دون وعي ـ الذهاب الى حرب منفردة مع الآلة العسكرية الاسرائيلية العدوانية.

ولعل هذه المرحلة بالذات هي ما فهمها، وأدرك خطورتها على المنطقة، الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز فسارع الى محاولة تدارك تداعياتها بدعوته الى "مصالحة" عربية .. لم تجد، وللأسف الشديد، من يلتقطها.

ولأن هذا هو الحال، فلا شيء سيكون مستبعداً في المقبل من الأيام .. لا في فلسطين، ولا في المنطقة عموماً، ولا خصوصاً ـ بالنسبة الينا ـ في لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل