الانتخابات: تقدّم السلطة وتراجع الدولة
الانتخابات، في أحد معانيها العديدة، ترتبط ببناء الدولة، بما هي المؤسسة الأم التي تعبّر عن وحدة المجتمع، ووحدة الوطن، واستقرار الهوية، ووحدة المثالات الكبرى، والرؤيا المشتركة للقضايا المصيرية، وتداول السلطة، وتجديد الحياة السياسية، وتطوير أساليب التنمية والانتاج، وتعميق التفكير بخدمة "الانسان" الذي هو الغاية الكبرى من وراء كل حركة سياسية شريفة وخلاقة وملتزمة بقيم العدالة الاجتماعية، فهل هذه هي حالنا، وحال الانتخابات، في لبنان؟…
ان كثيراً من بلدان العالم تنحصر فيها الانتخابات بلعبة الصراع على السلطة فقط، ولبنان هو أحد هذه البلدان… السلطة… السلطة… السلطة، أما الوطن والدولة، فهما في آخر درجات السلم اذا بقيت لهما درجة، أو متسع من مكان، ناهيك بالقيم الأخرى، فالنظام الطائفي نقيض الوحدة الوطنية، وعدو المثالات والرؤى المشتركة، وحارس المستنقعات السياسية فلا تجديد ولا تحديث، وما قد يسجل بين مرحلة وأخرى من خرق في جسم هذا "التابو"، يكون استثناء لا تلبث القوى الطائفية من أن تنقض عليه لتحاصره ولتعطل دوره.
عندما ندرس الخط البياني للانتخابات ونتائجها، منذ الانتداب الفرنسي، الى مرحلة 1943 وما بعدها حتى اليوم، نصاب بالذهول التاريخي إذ نلاحظ أن الانتخابات كانت وسيلة للاجترار والتكرار في معظم الأحيان، بدلاً من أن تكون وسيلة للتجديد السياسي، ولنقل المجتمع من حال التفكك الطائفي الى حال التوحد المدني والوطني، ولو شئنا سرد الأمثلة لاحتجنا الى صفحات كثيرة مما لا مجال له هنا، لكننا نكتفي ببعض الخلاصات، وهي غيض من فيض:
أولاً: لم نشهد أي انتخابات في لبنان من دون دور مؤثر فيها لقوى اقليمية ودولية بحسب خريطة النفوذ في كل مرحلة، بمعنى أن العامل الوطني/المحلي لم تكن له الكلمة الفصل، وأن التفكير بالمصالح الاجتماعية والوطنية لم يتجاوز حدود المخادعات الدعائية التي يحتاجها المتصارعون على السلطة لاستقطاب الناخبين.
ثانياً: ان الدور الوطني/المحلي لم يكن معدوماً، لكنه كان محدوداً، وغالباً ما لا يتجاوز بعض النتائج الجزئية، أما الاتجاهات الكبرى فكانت تبقى قوة القرار فيها للنفوذ الخارجي.
ثالثاً: الصراع على السلطة في الانتخابات (مثلما هو في الشارع) كان يترجم نفسه في الغالب الأعم بالتماهي مع صراع الطوائف والمذاهب، فالناخب يصوت انطلاقاً من ولاءات زعامية وطائفية، وأحياناً كثيرة وفقاً لحسابات ماضوية وانتقامية، أما المستقبل والبرامج السياسية والاجتماعية فلا دور لها الا نادراً، ولهذا (ولغيره من الأسباب) تقدمت السلطة في لبنان، وتراجعت الدولة، وكادت أن تزول، لولا الحاجة اليها لدى هؤلاء الفرقاء السياسيين/ الطائفيين من أجل أن تكون اطاراً لممارسة السلطة، أما أكثر من ذلك، أي أن تكون مؤسسة وطنية ديموقراطية مدنية جامعة، فيبدو حتى هذه اللحظة أن أحداً من الفرقاء النافذين لا يريدها على هذا النحو.
رابعاً: المال السياسي، والتدخل السلطوي، وبيع المنافع والمكاسب (الوظائف، التعهدات، التراخيص..الخ) كانت على الدوام، وما زالت، عناصر موجودة في اللعبة الانتخابية، ويكاد لا يوجد مواطن لبناني واحد إلا ويعرف أمثلة عديدة على ذلك.
خامساً: صناعة الوعي الزائف هي مهنة معظم القوى السياسية التي تعاقبت على السلطة في لبنان، سابقاً وحالياً، ولا ينجو من لوثة هذه المهنة إلا القليل. أما أهم خصائص هذه المهنة فهي الآتية:
أ ـ مخادعة الناخب، ففي كل مرة، يجري زرع الأوهام بأن التصويت هو وسيلة للحفاظ على الوجود، وليس وسيلة لتحديد الخيارات السياسية.
ب ـ تضخيم فكرة "الدفاع عن الذات" (في لبنان تعني الدفاع عن الطائفة) فيذهب الناخب الى صندوق الاقتراع وفي ذهنه أن وجوده في خطر، ويصوّت متغاضياً عن أخطاء النواب والوزراء تحت شعار: "ليس الوقت للمحاسبة"، (تكرر هذا الشعار ملايين المرات منذ انتخابات 1943 حتى اليوم) وبالتالي تتضاءل حتى حدود التلاشي امكانية التجديد والتغيير.
ج ـ الورقة في صندوق الاقتراع، هي ـ بمعنى غير مباشر ـ توقيع على عقدٍ ضمني بين الناخب والنائب، (العائد الى المجلس في أغلب الأحيان، فالتغيير نادر جداً) يقوم على تبادل الخدمات، فالأول يقدم صوته والثاني يقدم رعاية المحاسيب، وهكذا يبدأ فساد الادارة العامة، فتتقدم المحسوبية والزبائنية على الكفاءة العلمية والجدارة الشخصية، وتتجوف المؤسسات من داخلها تجويفاً مخيفاً. (مجلس الخدمة المدنية يعاني من التدخل السياسي منذ تاسيسه في المرحلة الشهابية حتى اليوم، وهناك أمثلة كثيرة غيره).
د ـ محاصرة الظواهر الاعتراضية ـ حتى لو كانت بسيطة ـ فإذا حاولت مجموعات من الناخبين التعبير عن اعتراضها من خلال استخدام حق "الامتناع عن التصويت" تجري محاصرتها اجتماعياً، ومعيشياً في الكثير من الأحيان، (محاربتها في فرص العمل…الخ) ويتم أيضاً اتهامها بـ"خيانة الطائفة" أو ـ على الأقل ـ بالتقصير في المساهمة بالدفاع عن الطائفة.
هـ ـ التركيز الدعائي غير المباشر، (اتصالات المفاتيح وكوادر الماكينات الانتخابية بعيداً عن وسائل الاعلام) على ترسيخ فكرة أن الناخب يصوت ليختار ممثلاً أو أكثر عن طائفته في البرلمان، وليس ليختار نائباً لبنانياً، ما يعني بوضوح أن طريق المرشح/ النائب مرسومة سلفاً ضمن طائفته فقط، أما المسألة الوطنية العامة فتبقى في اطار الديكور الذي يحتاجه الخطاب السياسي العلني.
و ـ التسويات والترتيبات المثلثة: محلياً واقليمياً ودولياً لعملية الترشيح وتوزيع المقاعد تسبق الانتخابات دائماً (لم تحصل دورة انتخابية في لبنان من دون هذه التسويات المسبقة) فتصبح النتائج شبه مؤكدة سلفاً، وبالتالي فإن الناخب يخسر جزءاً كبيراً من دوره، ويسلّم بذلك طوعاً، ويذهب الى صندوق الاقتراع ليصادق على ما تم الاتفاق عليه، أكثر مما يذهب لينتخب، وكأنه "مختار" في قرية أو حي من أحياء المدن، يصادق على طلب اخراج قيد "سياسي".
ماذا يبقى ـ والحال هذه ـ من معاني الديموقراطية؟
يبقى شكلها الخارجي: مرشّحون مؤكّد نجاحهم سلفاً ـ مرشّحون آخرون للمساومة والمناورة ـ مرشحون مغامرون كونهم غير محوسبين على طاولة الترتيبات الداخلية والخارجية التي تسبق الانتخابات ـ ناخبون محسومة خيارات معظمهم سلفاً ـ صناديق اقتراع تفتح أفواهها في الصباح وتغلقها في المساء بعد أن تلتهم أوراق المصادقات المذكورة آنفاً في البند "و".
الشكل الخارجي هو أحد أضعف معاني الديموقراطية، بل قد يكون أحياناً ـ يا للمفارقة الساخرة والمأسوية في وقت واحد ـ وسيلة لتزييف الديموقراطية، وخصوصاً حينما لا تقود الانتخابات الى التجديد والتغيير، والى ترسيخ ثقافة المحاسبة والمراقبة والمساءلة التفصيلية.
لا يعني هذا، أننا لا نريد الانتخابات، فإجراؤها مهما تكن الظروف هو أفضل من الغائها، بل هو ضروري جداً، لكننا ـ عندما نسجل هذه الملاحظات ـ نريد أن نجنب أنفسنا الوقوع في فخ التخيّل بأننا ننتظر نتائج نوعية في الانتخابات المرتقبة في حزيران المقبل.
النتائج المنتظرة لن تغير كثيراً من المشهد السياسي الراهن، ولن تتجاوز حدود الصراع على توزيع السلطة، أما بناء الدولة فيبدو أنه ما زال حلماً، أو لنقل مشروعاً مؤجلاً.
ما نحتاج اليه فعلاً، هو انتخابات تفرز نخباً سياسية تعمل على بناء دولة مدنية حديثة سيدة وقادرة ومستقلة، وهذه لا تكون ـ بل يستحييل أن تكون ـ من دون قانون انتخاب غير طائفي، كي يشعر النائب بحقيقة واجبه الديموقراطي الذي يحتم عليه عندئذ اختيار نائب عن الشعب في مجلس نيابي لبناني، وليس نائباً عن الطائفة في مجلس طوئف، أو في مجلس فدرالية طائفية موجودة في الممارسة وغير معلنة في السياسة، أما غير ذلك فيعني تكرار لعبة الانتخابات مرة كل اربع سنوات، (وأحياناً يتعطل تكرار هذه اللعبة، فعام 1976 تعطلت واستمرت معطلة حتى عام 1992) فتتقدم السلطة وتتراجع الدولة، وهذا وحده يكفي ليكون كارثة متمادية.