مع عودة الـ M.T.V لا يصحّ إلاّ الصحيح
اخطاء وخطايا بالكمّيات، شابت عهد الرئيس اميل لحود، وكان يكفي ان تحدث خطيئة واحدة بحجم خطايا عهد لحود، في اي دولة ديموقراطية تحترم القوانين والدستور والقيم الإنسانية، ليسارع رئيس الدولة الى الاستقالة، معتذرا من الشعب، او ليسارع القضاء والرأي العام الى ادانته واجباره على الاستقالة.
من جملة هذه الخطايا التي ارتكبت بدم بارد وعن سابق تصوّر وتصميم، اعطاء الامر الى الاجهزة الامنية والقضاء، بإعدام محطة تلفزيون M. T. V وشقيقاتها من محطات اذاعية وانتاجية، وتجريد صاحبها المهندس غبريال المر من الوكالة التي اعطاه إيّاها ابناء منطقة المتن لتمثيلهم في المجلس النيابي، في ابشع اجراء اتخذه القضاء اللبناني على مرّ العقود منذ الاستقلال، وعلى مرأى ومسمع من النواب الذين يفترض بهم ان يكونوا نواب الامّة، حتى ان بعض الاصوات التي ارتفعت رافضة هذا الاجراء الكيدي المدان اخلاقيا وانسانيا وقانونيا ودستوريا، لم ترتق الى مستوى المواقف التاريخية التي كان يفترض ان تحصل في مواجهة جريمة بحجم هذه الجريمة، خصوصا انها كانت وراء قطع ارزاق مئات العائلات اللبنانية، ودفع معظمها الى التفتيش عن عمل خارج لبنان في بلاد الله الواسعة.
السبب وراء تذكيري اللبنانيين بهذه الجريمة، اعلان السيد ميشال غبريال المرّ ان الـ M. T. V بعد سبع سنوات على اعدامها ستنطلق مجددا في سماء لبنان والعالم كله، ناشرة مساحة اضافية من الحرية اشتاق اليها كل محبّ للحرية والسيادة والاستقلال والقرار الوطني الحر، وفي زمن مفصلي من حياة لبنان واللبنانيين، سيترتب عليه مستقبل من اثنين، اما انه مستقبل الحرية والنور، واما مستقبل القهر والظلام.
انا شخصيا، معني بعودة الحياة الى محطة الحرية، لأنني معنيّ بالإنسان وحقوقه، وبالحرية وحمايتها، وما اكتبه اليوم كتبت مثله واكثر، عند اعدام الـ M. T. V في زمن الصمت والمحرّمات والخطوط الحمر، واشعر بالفخر كوني مسؤولا وكاتبا في جريدة «الديار» التي كانت الوحيدة بين وسائل الاعلام على اختلاف انواعها التي اغلقت ابوابها واحتجبت عن الصدور احتجاجا على اعدام الـ M. T. V وافسحت في صفحاتها، لكتّابها وللقراء مجال التعبير الحرّ عن رفضهم وادانتهم لجريمة موصوفة ارتكبت بحق زميلة اعلامية يكفيها فخرا انها افتدت بتعطيلها الدائم كل زميلاتها، ورفعت عن اعناقها سيف الانتقام والتشفي والكيد، الذي يمكن لأي مسؤول يعيش خارج زمن المسؤولية والقوانين ان يحمله ليقطع به رؤوس خصومه السياسيين.
ان ما حدث مع الـ M. T. V هو صفحة سوداء في تاريخ القضاء اللبناني، بمثل ما هو صفحة سوداء في تاريخ بعض اهل الحكم الذين ظنّوا انهم شواهين، وهم يتربعون على كراسي الحكم ولم يفكروا لحظة انهم موقتون في مراكزهم، وان الكلمة والصورة والموقف، الصادرة من موقع حرّ هي الابقى والافعل والاهمّ، كما هو درس لأهل الاعلام بأن يتكاتفوا في وجه القمع والظلم حتى لا يأتي وقت ويؤكلوا بدورهم مثلما اكل الثور الابيض.
معرفتنا بأخلاق الرئيس العماد ميشال سليمان ومناقبيته وحرصه على احترام الدستور والقوانين، وتمسّكه بحماية الحريات العامة، وحرية الاعلام، حتى ولو كانت تتناوله احيانا في شكل ظالم ووقح، تجعلنا نطمئن الى ان عهده سيكون عهد الحريات المسؤولة التي يحميها القانون، شرط الاّ تقفز فوقه، والـ M. T.V التي كانت مثالا يحتذى في الشجاعة وقولة الحق، كانت ايضا مثالا في المعارضة الراقية واحترام حق الغير في الرأي والتعبير، وايماننا انها في انطلاقتها الجديدة لن تحيد عن خطها هذا خط الحرية والمصداقية وقبول الآخر.
يبقى في النهاية كلمة الى عميد مؤسسة الـ M. T. V الاعلامية، المهندس الصديق النائب السابق غبريال المر، مضمونها لا يتجاوز السبع كلمات: في آخر الامر لا يصحّ الا الصحيح.