تنصت شرعي وحيد أم شرعي وغير شرعي ؟
كان تروتسكي يقول إنك (تستطيع معرفة الحقيقة بمقارنة الأكاذيب). لكن الحقيقة في ملف التنصت على الهاتف بقيت مشوشة أو لم تنكشف بشكل كامل. لا بمقارنة الاتهامات المتبادلة بالكذب بين الأطراف على مدى أسابيع. ولا بالمعلومات الناقصة التي أعطيت للناس بعد الاجتماع الوزاري – الأمني في السراي برئاسة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة. إذ كيف يمكن أن تكون المعادلة هي أن الكل متهم والكل بريء في وقت واحد؟ كلهم متهمون، حسب التراشق الذي سبق الاجتماع. وكلهم أبرياء بعد الجلسة التي توصلت الى قرار جيد متأخر أربع سنوات: تطبيق القانون 140 الذي يحدد الحالات المسموح فيها باعتراض المكالمات الهاتفية وآليات السماح بالأمر.
ذلك أن المجتمعين في السراي هم الذين يعرفون أو الذين يجب أن يعرفوا مَن يمارس التنصت وعلى مَن ومن أي مركز. وما سمعناه هو اشارة عامة الى أمر مقلق وأخرى واضحة الى أمر مطمئن. المقلق هو (خبيصة) التنصت غير الشرعي، سواء عبر أجهزة أمنية أو أحزاب أو سفارات. والمطمئن هو بدء العمل ابتداء من اليوم بالتنصت الشرعي أو اعتراض المكالمات لدوافع تتعلق بالأمن الوطني سواء في مجال الارهاب أو الجريمة أو التجسس، وبناء على قرارات السلطة السياسية أو القضاء. لكن القلق يطغى على الاطمئنان بسبب تجارب الماضي وصراعات الحاضر. فما كان حتى أمس هو تنصت غير شرعي في غياب التنصت الشرعي حسب القانون 140 ومراسيمه التنظيمية. وما سيكون اليوم هو تنصت شرعي من دون أي ضمان بانهاء التنصت غير الشرعي. وخصوصا ان لا أحد أعلن انه يعرف كل الذين يتنصتون، قبل الحديث عن القدرة على منعهم وربما الرغبة في كشف المستور.
أليس الذين يخرقون القانون هم الذين يجب ان يحموه؟ وهل هبط (الروح القدس) بالفعل على الاجتماع، فاذا حكومة الشقاق الوطني يد واحدة، والأجهزة مجرد أدوات تلتزم تنفيذ القرار السياسي، والقانون سيّد الأحكام؟ وما دامت مقدمة الدستور تنص على انه (لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك)، فان من الطبيعي القول انه لا شرعية لأي سلطة تعجز عن حماية الوطن والمواطن وتنتهك حريات الناس وحياتهم الشخصية، واذا كان التنصت من خارج القانون جريمة، فمن سيمسك بالمجرمين ويقدمهم الى العدالة أو يجبرهم على دفع الثمن؟ وكيف نصدق ان (خبيصة) التنصت انتهت بهذه السرعة، حين يبدو فتح الملف مرتبطا بالمعارك السياسية عشية الانتخابات النيابية.
ليس أخطر من تبادل الاتهامات بالمسؤولية عن التنصت سوى اعلان البراءة من التنصت قبل وبعد.