#adsense

نون المكلفة

حجم الخط

نون المكلفة

لم يبقَ لبناني لم يستبدل حرف النون في اسم "مجلس الجنوب" بحرف الياء. منهم من يفعل ذلك معارضاً لشعوره بأن الأموال المهدورة تؤخذ من حقه كمواطن، ومنهم من يفعل معاضداً لشعوره بنصر شخصي مناطقي ـ جغرافي وانتقام طبقي ـ طائفي.
لم تضاهِ ظنون المواطنين في جديّة الشبهات التي حامت حول مجلس الجنوب منذ إنشائه، سوى الظنون التي أصابت "صندوق المهجّرين". وفي زمن سابق، أموال أضرار نهر أبو علي في طرابلس، بعد الفيضان الشهير في مطلع خمسينات القرن الماضي.

لم تكن الظنون تحوم حول مبدأ قيام المجلس ومهمته، بل تصب على إدارته. فهو كان منذ إنشائه مكتباً من مكاتب حركة "أمل"، إدارة وتوظيفاً وتلزيماً وإنفاقاً، حتى قيل إن إيجاده قضيّة حق تفتح أبواب إنفاق المال بالباطل.

صحيح أن الجنوب كان يحتاج الى إعادة إعمار، وأهالي الشهداء يحتاجون الى مساعدة. لكن الصحيح ايضاً أن لا عمود كهرباء نُصب في أي حيّ أو شارع من دون أن يسجّل المجلس ثمنه أضعافاً مضاعفة. يكفي للتذكير، العودة الى الروايات الشفهية المتناقلة. وإن لم تكف، يمكن الرجوع الى أرشيف الصحف لتذكر فضيحة تلزيم أوتوستراد الجنوب الى شركة قاسيون السورية وكلفة الكيلومتر المربع التي دفعت لها، وَحدَت بالنائب حينها الرئيس سليم الحص الى توجيه سؤال الى الحكومة لم يلبث أن طواهُ نتيجة "نصائح أخوية" (كما قيل).

لم يكن الطاقم السياسي يرى في ذلك خروجاً على منطق الدولة. فما كان في "الطائف" من إتفاق لم يكن، في أحد وجوهه، سوى تجديد لصيغة 1943 في تقاسم الأدوار والسلطة ومغانمها، مع تعديل في الحصص والوجوه. فقادة الميليشيات الذين صاروا قيادات سياسية لم يتخلّوا عن مصادر تمويلهم وتمويل جماعاتهم التي كشفتها لهم الحرب، إلا في مقابل مصادر "شرعية" تموّل، على الأقل، جمهورهم، إذا حسنت نيات مراقب مسيرتهم ومسيرة الدولة تحت مظلتهم وتجاهل ما يصيبهم مع هذا الجمهور وعبره. أمر لم يتستّر عليه وليد جنبلاط، في حديث عن صندوق المهجرين، وبرره باسترضاء محتلّي بيوت الجبل كي يقبلوا بالتخلّي عنها لأصحابها المهجّرين.

والواقع أن تركيز الاهتمام على مجلس الجنوب يصرف النظر عن مواقع أخرى للتمويل السياسي، أدت الى إبقاء مديرين عامين، من هذه الطائفة أو تلك في المواقع ذاتها منذ ولادة "جمهورية الطائف"، إما لما توفره من مال مباشر أو غير مباشر، أو لما تؤمنه من هيمنة سياسية على مصالح الناس المرتبطين بإدارات هذه المواقع.

فالمشكلة الأعمق من استخدام أموال مجلس الجنوب وغيره (صناديق وإدارات) هي مفهوم الدولة لدى القيادات السياسية: هل هي كيان وطني، أم شركة محاصصة ينهش منها القادر على النهش بما يعزّز موقعه لدى جمهوره، بسيولة نقدية واضحة مباشرة، أو بتأمين وظائف صورية توفر بطالة مأجورة لهذا الجمهور؟

ثم هل الدولة، ككيان معنوي جامع، مكسَر عصا، يتطاول عليها، هذا أو ذاك، كأنّه يميّز نفسه عنها، ويضع ذاته وجماعته خارجها، مشترطاً للعودة الى مظلّتها إقرار الحكومة برؤيته، صائبة كانت أم خاطئة؟.

وعادة لا يشتدّ تعنّت كاسر العصا إلا إذا كان في الأمر ما يعزّز زعامته، مالاً كان أم هيمنة. ولعلّ البعض يذكر تهديد مصير الموازنة العامة بالعرقلة في مجلس النواب عام 2002، إن لم يقبل الرئيس الشهيد رفيق الحريري بإقناع النائب وليد جنلاط، بالعمل معاً على إطاحة الأمين العام لاتحاد كرة القدم حينها للمجيء بطاقم تقوده حركة "أمل"، ما فرض على رئيس الحكومة الشهيد القبول بهذا الامر لما تعنيه الموازنة من التزام الدولة تجاه اتفاق باريس ـ2.

اليوم، يعود مجلس الجنوب الى النقاش السياسي، من دون أن تحل خمس جلسات لمجلس الوزراء عقدة المال الإضافي الذي يطالب به رئيس مجلس النواب وحركة "أمل": كل بنود الموازنة عبرت بلا عقد، وحده هذا الباب المالي طرح بُنْيَة المؤسسات على محك المصير. فإما الإنفاق الإضافي للمجلس وأما إلغاؤه مع مؤسسات أخرى بما يوحي بأن هذا المجلس لفئة أو زعيم، بينما الهيئة العليا للإغاثة، ومجلس الانماء والإعمار، وصندوق المهجرين لفئات أخرى، وزعماء آخرين.

والحال، ان الطلب يؤكد المحاصصة، ويحسم بواقع الدولة – الشركة. في الوقت نفسه تؤكد حدة الانفعال مدى فاعلية المجلس (وغيره) في المردود السياسي الشعبي والانتخابي. وإلا لماذا لم يكن الإنفاق الذي أتيح لمجلس الجنوب في الأعوام الثلاثة السابقة موضوع اعتراض، وطلب زيادة، وهو كان يتم بسلفات خزينة (بسبب عدم إقرار الموازنات) وتحت السقف المالي نفسه المقترح للعام الجديد؟ الجواب الذي تفرزه الوقائع هو انها لم تكن سنوات انتخابات.

قد تكفي الأيام العشرة لحل عقدة المال الإضافي لمجلس الجنوب، وقد لا تكفي. لكن اللبنانيين اكتفوا من المغالاة في الحرص على ما يزعم من عدالة في المواطنية.

قد يكون بقي في الجنوب من يستحق المساعدة ، وهو من تدعو الحكومة الى تقديم اسمه الى الوزارة المختصة، لكن المساواة في المواطنية تفرض أن نلتفت الى "شهداء" غياب التنمية من عكار الى الهرمل، والى اللبنانيين جميعا الذين يحتاجون الى أن ترفع عن كاهلهم أعباء رتبتها الحرب المديدة، منها تعويضات تدفعها "الصناديق"كحق مكتسب للبعض منهم، برغم الأزمة المالية المحلية الخانقة، والتي يزيد من ضغطها، وسيزيد الإنهيار المالي العالمي.

ربما إذا طال النقاش سيكون منطقيا السؤال عن حقوق أهالي الشهداء الذين سقطوا في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي منذ يومه الأول عام 1982 من بيروت الى البقاع.

المصدر:
النهار

خبر عاجل