#adsense

أي “ديموقراطية” بعد حزيران ؟

حجم الخط

أي "ديموقراطية" بعد حزيران ؟

تبدأ المعركة الانتخابية في لبنان بأخذ عمقها السياسي الجاد حين يقدم كل من فريقي 14 آذار و8 آذار برنامجه لاي سلطة واي دولة ستقوم بعد حزيران 2009. وتبعا لذلك وفرت المبارزة بالملفات التي دارت في الاسابيع الاخيرة على وقع ارتدادات حرب غزة مقدمات مفيدة وغنية لإطلاق المواجهة الديموقراطية الشاملة بين البرنامجين والمشروعين اعتبارا من الذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط الجاري.

وبصرف النظر عما يمكن ان تطل به قوى 14 آذار في هذه الذكرى، ومن بعدها قوى 8 آذار لجهة صياغة برنامج جبهوي، فان حرب الملفات المتدحرجة والمرشحة للتفاقم شكلت وستشكل تباعا اهم محرك ايجابي لوضع مستقبل الديموقراطية في لبنان والنظام الديموقراطي اولوية مطلقة اساسية امام الناخبين لا يتقدمها اي معيار آخر.

ولا مبالغة في تحكيم هذا المعيار اصلا منذ هبطت على النظام السياسي الدستوري ظاهرة الثلث المعطل التي فرضت بقوة قاهرة في تسوية الدوحة. فكيف والحال ان قوى هذا الثلث وضعت عبر حرب الملفات سقوفا اضافية يُراد لها ان تتحكم بقواعد اللعبة وقوانينها في الفترة المتبقية "الاخيرة" لهذه الظاهرة، إن على مستوى السلطة او على مستوى ادارة المواجهة الانتخابية؟

لقد نجحت قوى 8 آذار فعلا في عرض القوة الدائر منذ تظاهرة عوكر فسجلت تباعا وبسرعة قياسية فرض الظروف المعروفة التي املت على رئيس الجمهورية الذهاب الى "قمة غزة" في الدوحة، ثم جمدت اقرار الموازنة تحت وطأة ملف المجالس، ثم قلبت الادوار في ملف التنصت على نحو دعائي بارع.

غير ان افضل ما انتهت اليه هذه الجولة انها دفعت قوى 14 آذار الى اعلان موقف مبدئي وتثبيته وهو اطلاق تعهدات جازمة بانها ستنهي ظاهرة الثلث المعطل والحكومات التي على طرازها اذا لم تفز في الانتخابات بالغالبية.

هذا التعهد بتحول الغالبية معارضة حقيقية من خارج السلطة وعدم الخلط بين معارضة وسلطة على سطح واحد يمكن اعتباره المدماك المبدئي الاساسي في جعل المواجهة الانتخابية تدور حول المعيار الديموقراطي الحاسم الذي لا مذاق ولا طعم ولا جدوى حقيقيا منها في حال لم يكن الاختيار الحاسم على اساسه.

بذلك تضحي المواجهة الحقيقية ونتائجها متصلة بانماط السياسات التي تتبع حاليا، وتضحي المسألة المصيرية متصلة بحماية النظام والديموقراطية والحريات على ايدي سلطة اكثرية او معارضة اقلية.

يكتسب تعهد 14 آذار اهميته الدستورية القصوى، اذ يمنح هذا الفريق صدقية في حماية النظام سواء كان اكثريا او اقلويا، وخصوصا من ناحية الالتزام المسبق لأصول "المعارضة" واسقاط بدعة السلطة المقنعة المعطلة للدولة والمعارضة في آن واحد. ذلك ان الكثير من الحقوق التي يعلي فريق 8 آذار شعاراتها ومطالبها في خطابه، على المستويات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، هي حقوق جادة وموصوفة من الناحية المبدئية لكن العنف المفرط في النمط السياسي، وسابقا الميداني، جعلا هذه الحقوق تذهب بجريرة التعطيل ولم يوفر الفرصة الديموقراطية الحقيقية لمحاسبة الاكثرية حيث يجب، وكما يجب.

بل ان الانماط المتبعة في حرب الملفات الجارية شكلت "التحديث" الاقرب الى تفاقم هذه الانماط التعطيلية والعنفية، بما لا يمكن معه الا تقديمها نماذج مثيرة للمخاوف والحذر من امكان ان تصبح هذه الانماط وسيلة حكم واداة سلطة مقبلة.

فالضغط الموسمي على رئيس الجمهورية على ما مارسه فريق "حزب الله" و"امل" في حرب القمم، جنح بتسوية الدوحة نفسها عن منطقها التوافقي وبدت معه "المعارضة السلطوية" مقبلة على قضم مزيد من المكاسب القسرية. والحملة الشعواء لـ"تكتل التغيير والاصلاح" على "الكتلة الوسطية" لفحت البلاد برياح العنف الترهيبي. وتعطيل الموازنة على يد كتل الثلاثي المعطل رهن عافية البلاد تكرارا لمنطق لي الذراع. واخيرا لا آخرا لا يرتب الهجوم المفرط في حدته والتعنيف اللفظي الذي شنه العماد عون على "النهار" اقل من تساؤلات وشكوك عميقة عن حال الحريات الصحافية والحريات السياسية في عهد اكثرية يمكن ان تظفر بها قوى الثلث المعطل بعد الانتخابات.
عند هذا المفترق تماما، مفترق الديموقراطية والحريات، تبدأ الانتخابات اذا كان مقيضا للخيار ان يأخذ مجراه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل