مؤشرات أميركية إيجابية
زيارة مبعوث الرئيس الأميركي باراك أوباما الى الشرق الأوسط جورج ميتشل الى باريس بعد جولته الشرق أوسطية الأولى هي بحد ذاتها مؤشر على إرادة أميركية في التحاور والعمل مع فرنسا. فميتشل اختار باريس للقاء الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وأمين عام الرئاسة كلود غيان ووزير الخارجية برنار كوشنير فضلاً عن زيارة بروكسيل عاصمة الاتحاد الأوروبي نظراً لأهمية الدور الفرنسي في أوروبا، وذلك في ظل رئاسة أوروبية تشيكية ضعيفة. ويتزامن ذلك مع نشاط مستمر لرئيس فرنسا المتحرك باستمرار الذي كثيراً ما يقول في الأزمات والحروب "أتريدونني ان أبقى وراء مكتبي وأنتظر ان يأتي الحل إلي أو أنه من الأفضل ان أذهب باحثاً عن حل". هذه طريقة ساركوزي باستمرار أينما كان على الصعيد الداخلي أو الخارجي. فهكذا تحرك بالنسبة الى لبنان ثم بالنسبة الى الحرب في غزة، وهذا لا يعني ان التحرك دائماً يؤدي الى نجاح لأن الأوضاع صعبة ومعقدة ولكنه دائماً مستعد للمحاولة.
وإدراك أوباما ان مبعوثه ينبغي ان يتحاور مع باريس بعد جولته في الشرق الأوسط هو ايضاً مؤشر ايجابي الى أن الإدارة الأميركية الجديدة تريد التحاور مع شركاء أوروبيين اساسيين، خصوصاً فرنسا التي لها باستمرار ثقلها الكبير في المنطقة العربية تاريخياً وحالياً.
فأوباما منذ توليه الرئاسة في الولايات المتحدة أعطى اشارات ايجابية إزاء الشرق الأوسط. فبعد ان كانت التوقعات لدى تسلمه انه سيكرس كل جهوده للوضع الداخلي والأزمة الاقتصادية الخطيرة، وجد الوقت لوضع الشرق الأوسط في أولوياته ايضاً، فكان أول اتصال هاتفي له مع مسؤول خارجي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ثم فرضت كارثة غزة الانسانية نفسها على الرأي العام العالمي فأسرع أوباما الى إرسال جورج ميتشل الى المنطقة، واختيار ميتشل ايضاً كان مؤشراً إيجابياً لأن التكهنات كانت انه سيعين دنيس روس الذي سبق وكان أحد المسؤولين عن فشل مفاوضات كمب ديفيد في آخر عهد كلينتون. فميتشل شخصية متوازنة وهو خارج اللوبيات الاميركية ومعروف بشجاعة مواقفه، خصوصاً في التقرير الذي أصدره في 2001 مطالباً اسرائيل بتجميد المستوطنات.
كما عين أوباما مستشاراً للامن القومي الجنرال جيمس جونز المعروف ايضاً بتوازن مواقفه واستقلاله. وكان جونز تولى بعد اتفاق انابوليس درس الوضع الأمني بين اسرائيل والفلسطينيين، وأدرك كيف كانت اسرائيل تمنع الفلسطينيين من تحمل مسؤولياتهم الأمنية في الضفة. وهكذا جاء أوباما مع فريق فيه شخصيات جيدة، إلا ان مهمته في مواجهة مجلسي الكونغرس اللذين يرضخان لضغط كبير من اللوبي الاسرائيلي، خصوصاً في الوسط الديموقراطي، ستكون بالغة الصعوبة، إذا رغب في الضغط على اسرائيل لحثها على التحرك نحو سلام حقيقي وفعلي على الأرض مع الفلسطينيين.
ان مهمة ميتشل صعبة وهو يدرك أن اي قرار أميركي حاسم بالنسبة للصراع الاسرائيلي الفلسطيني لا يمكن إلا ان ينتظر نتيجة الانتخابات الاسرائيلية، ومن سيقود الحكومة المقبلة؟ هل يكون بنيامين نتانياهو الذي قال خلال حملته انه يريد وقف مسار التفاوض مع الفلسطينيين، أم يقوم تحالف بين ايهود باراك وتسيبي ليفني وأحزاب أخرى؟ وبكل الأحوال ستكون مهمة معقدة إذا أرادت إدارة أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون وميتشل ايجاد حل عادل وغير منحاز لاسرائيل. والمؤشرات الأولية التي أتت من أوباما مشجعة في تعييناته وايضاً في كلامه الى العالم الاسلامي عندما قال انه يريد التعامل مع هذا العالم بشكل مختلف وعندما خصص أول مقابلة تلفزيونية معه لقناة "العربية". فأوباما وصل الى الرئاسة بنهج جديد بالنسبة الى الولايات المتحدة، والأمل ان يستطيع تغيير النهج التقليدي الاميركي المتمادي مع اسرائيل.
والأهم في ظل هذه الرئاسة الاميركية الجديدة ألا تخرّب الانقسامات العربية العميقة فرصة نهج أوباما الجديد. فالانقسام الداخلي الفلسطيني عميق بين مشروع السلطة الفلسطينية لقيام دولة ديموقراطية ومشروع "حماس" وهو مشروع اسلامي على طريقة الجمهورية الايرانية الداعمة له مع سورية.
فكيف يستفيد العالم العربي من سياسة اميركية جديدة للمنطقة في ظل مناورات عربية وايرانية تدخل في خانة تمنيات اسرائيل لاستمرار الانقسام في العالم العربي؟