لماذا لا توكل الحلول الى حكمة سليمان وحياديته؟
كل الدلائل تشير الى ان وتيرة الخطاب السياسي، سترتفع حدّة مع اقتراب مواعيد محطات حاسمة في تاريخ لبنان، ابرزها انعقاد المحكمة الدولية للنظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شهر اذار المقبل، واجراء الانتخابات النيابية العامة في بداية شهر حزيران، وهذا الخطاب، قياساً على ما كان يحدث سابقا، مرشح عند البعض للانحدار حتى الاسفاف الذي طالما دانه البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير، ونبّه رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان من جهته الى ضرورة الابتعاد عنه حفاظاً على العلاقات بين مختلف الافرقاء، وعلى اتفاق التهدئة الذي توافق عليه كل المعنيين في الدوحة، وهذه الاجواء المحمومة، المسمومة، التي تتلبّد غيومها شيئاً فشيئاً، سيدفع ثمن امطارها السود، المواطن اللبناني وحيداً، من صحته واعصابه وهدوء باله، وبسبب كارثة اقتصادية كبيرة تنتظره على ابواب فصل الصيف المقبل، وهو الذي ينتظره بفارغ الصبر وكبير الأمل، ليعوّض قليلا ما خرّبه البعض في المواسم العجاف السابقة.
لقد اصبح واضحاً بالتجربة والبرهان، ان البلاد منقسمة بين فريقين يحمل كل منهما اهدافاً واستراتيجية وطموحات، تختلف جذريا عمّا يحمله الاخر، الى درجة ان الاثنين يمثلان خطين متوازيين، يستحيل ان يلتقيا الاّ على الصدام والمواجهة الدائمين، وهذا الواقع شبّهه البطريرك الماروني بالعربة التي يجرّها حصانان، ولكن كل حصان في موقع معاكس للآخر، ولذلك فان عربة الحكم ستبقى «مسمّرة» في ارضها، لا تتقدم ولا تتأخر، وبالتالي لا يمكن ان تقدّم للمواطن سوى الانتظار الذي ينتج الموت البطيء او الانحلال.
* * * * *
اتفاق الدوحة، على علاّته، انتج حلاً لهذا الوضع الشاذ الذي يخالف اصول الحكم الديموقراطي القاضي بمبدأ بسيط وسهل قائم على المعادلة الآتية: الاكثرية تحكم والاقلية تعارض والشعب يراقب ويحاسب.
البعض رفض الالتزام بهذا المبدأ الذي يعيد الى الدولة هيبتها وسلطتها المصادرتين، واصرّ على المشاركة في الحكم والقرار، فكانت النتيجة هذا الواقع المزري التعيس الذي تعيشه البلاد والناس، وكأن فريق «المعارضة» اليوم، يعيد استنساخ موقف الاحزاب اليسارية التي كانت تعمل على اضعاف الدولة بجميع الوسائل، بما فيها وسائل العنف، وتنتظر سقوطها لقمة سائغة في اشداقها، وهذه الاحزاب تعوّدت على عدم انتظار الانتخابات التي هي ارقى الوسائل لاستلام الحكم، بل تعمد الى التظاهرات والاعتصامات وقطع الطرقات وتعطيل المؤسسات والاحتكام الى السلاح في معظم الاحيان، والسؤال الان هل ان الاحزاب والشخصيات التي ما تزال تعتبر انها معارضة، تريد سلوك هذا المسلك اليساري، ام انها تلتزم بمبدأ الديموقراطية وتبادل السلطة وتنتظر نتائج الانتخابات المقبلة التي نحن على قاب قوسين منها وتترك للشعب ان يقول كلمته فيها.
* * * *
رب سائل، كيف السبيل الى حماية البلاد من الانفجار، بانتظار معرفة ما ستلده الانتخابات المقبلة وهذا سؤال مبرر ومنطقي والجواب عليه سهل ومنطقي ايضا، اللهم اذا كانت نيّات الافرقاء جميعاً حسنة، وعلى استعداد لتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الخاصة او الحزبية او الطائفية، او مصالح من هم خارج الحدود.
ارتضى المشاركون في اجتماعات الدوحة بالاجماع، اعتبار العماد ميشال سليمان قائد الجيش رئيساً توافقياً على جمهورية لبنان المنقسمة على ذاتها، كما توافق الجميع بأن العماد سليمان يتمتع بوطنية عالية، ومناقبية اخلاقية وعسكرية كبيرة، وبطاقات شخصية تؤهله بأن يكون رئيساً لكل لبنان ولكل اللبنانيين ولقوى 14 و8 اذار على السواء، وانه قادر بما يملك من حكمة وسعة مدارك واطلاع وعلاقات طيبة محلية وعربية واقليمية ودولية، ان يعبر بلبنان الى الضفة الآمنة، في ايام الانواء والعواصف، واذا كان مطلق قيادي او مسؤول يقول غير هذا القول فليعلنه على السطوح دونما خجل او تقيّة، اما اذا كان واقع الامور هو ما سبق ذكره، واعلن اكثر من مرة في الاعلام وغير الاعلام، فلماذا اذن لا يوكل الجميع الى الرئيس سليمان، واذا احبّوا لمرة واحدة فقط، ان يأخذ على عاتقه عملية انقاذ الدولة التي تكاد تسقط تحت ضربات المتناحرين، فيجد الرجل المناسب في المكان المناسب ادارياً وقضائياً، ويحلحل العقد المستعصية سياسياً بمثل ما حلحلها في اكثر من مرة، وكان آخرها موقفه في قصة التنصّت، واقتراحه في موضوع الاستراتيجية الوطنية، وتمكّنه من اعادة لبنان الى العالم وبالعكس، وبهذه الطريقة يرتاح الناس من عصفورية الاتهامات والاتهامات المضادة، ومن لاإخلاقية فتح الملفات على قياسات محددة، وبوجه اشخاص محددين، وينصرفون الى اعمالهم بسلام وطمأنينة، بمثل ما يتوجهون غداً الى صناديق الاقتراع، ليختاروا من يرون فيه املاً بمستقبل افضل لهم ولاولادهم واحفادهم، بعيداً من التوتر والخوف والصراخ والتهديد.
الناس يطالبون بهدنة لمدة اربعة اشهر فقط، لا صوت يعلو اثناءها فوق صوت الدولة ورئيسها.
هل يطالبون بالكثير؟