بنتاغون قديم واستخبارات جديدة
أكمل باراك أوباما الذي بدأ بتأدية مهامه رئيسا للولايات المتحدة في 20 كانون الثاني عام 2009 تشكيل إدارته عمليا قبل هذا التاريخ. وستتضح الإجراءات التي سيتخذها الرئيس الجديد ومساعدوه في مختلف الميادين في القريب العاجل.
ومع ذلك من الممكن حاليا محاولة تقييم آفاق عمل الآلة العسكرية والاستخباراتية الأميركية، انطلاقا من الشخصيات التي عينت في مناصب قادة هذه المؤسسات. فاحتفظ بمنصب وزير الدفاع روبرت غيتس، الذي ورثه أوباما من سلفه جورج بوش. وغير معروفة حاليا فترة بقاء غيتس في هذا المنصب، إلا أن احتفاظه به يدل على اتفاق أوباما مع المبادئ التي كانت القوات المسلحة الأميركية تعمل بموجبها.
وعين في منصب مساعد الرئيس لشؤون الأمن القومي الجنرال جيمس جونس، الذي سبق أن شغل منصب قائد فيلق مشاة البحرية الأميركية، وقائد القوات الأميركية في أوروبا وقائد قوات الناتو الموحدة. ويشتهر جونس بأنه من أنصار بسط الناتو نفوذه على العالم، مما يدل بالتوافق مع أفكار غيتس، على أن الولايات المتحدة لا تنوي تقليص نشاطها العسكري الخارجي. ومع ذلك، بوسع الأزمة الاقتصادية العالمية إرغام الولايات المتحدة على تقليص نفقاتها العسكرية بصورة ملموسة.
ستتعرض للتقليص تشكيلة حاملات الطائرات، التي تعتبر إحدى المركبات الثابتة ، كما يبدو، في القدرة الأميركية. فقد كان عدد حاملات الطائرات العاملة في قوام القوات البحرية الأميركية في وقت انهيار الاتحاد السوفيتي 16 قطعة، وعند بداية القرن الجديد تقلص هذا العدد إلى 12، وعددها في الوقت الحاضر 11، ولا يستبعد أن تتعرض إلى تقليص إضافي.
وبموازة تقلص عدد حاملات الطائرات، يتقلص أيضا عدد الطائرات التي ترابط على متنها. فإذا كانت حاملة الطائرات من طراز "نيميتس"، تحمل على متنها في نهاية الثمانينات في الغالب، حوالي 100 طائرة من مختلف الأصناف، فإن تشكيلة الطائرات على متن حاملة طائرات واحدة في الوقت الحاضر نادرا ما تزيد على 80 طائرة، وفي الغالب 55 ـ 60 طائرة.
هذا، وقد تكون الولايات المتحدة في حالتها الراهنة غير قادرة على نشر قدراتها العسكرية في كافة أنحاء العالم، وترتبط بهذا، وليس بالمرتبة الأخيرة، الرغبة في سحب القوات الأميركية من العراق، والخطوات الأولى للاتفاق مع روسيا بشأن قضية نشر النسق الأول من المنظومة الأميركية للدفاع المضاد للصواريخ في أوروبا.
وتقع أعباء ملموسة للحفاظ على نفوذ الولايات المتحدة وتعزيزه في ظل هذه الظروف، على مؤسسات أخرى، وبالمرتبة الأولى، أجهزة الاستخبارات التي عين أشخاص جدد في قيادتها. فعين رئيسا للاستخبارات الوطنية الأميركية دينيس بلير، أميرال متقاعد، شغل العديد من المناصب القيادية والإدارية العليا، ولديه خبرة عمل في وكالة الاستخبارات المركزية، حيث كان مسؤولا إضافة إلى وظائف أخرى، عن التعاون بين الوكالة والمؤسسة العسكرية.
ويكشف تعيين بلير جزئيا، عن ميدان اهتمامات الإدارة الأميركية الجديدة، إذ وقع الخيار من بين عدد كبير جدا من المرشحين لشغل منصب رئيس الاستخبارات الأميركية، على اختصاصي في شؤون روسيا ويتقن اللغة الروسية.
ورشح أوباما لمنصب مدير وكالة الاستخبارات المركزية، أقوى مؤسسة بين هيئات الاستخبارات الأميركية، ليون بانيتو. وإن رجل القانون هذا "71 عاما"، الاختصاصي في حقوق الإنسان، لم يعمل أبدا في مؤسسة الاستخبارات الأميركية، ولكن بصفته عضوا في الكونغرس شارك في عدد من اللجان التي تهتم بنشاطات أجهزة الاستخبارات.
ويفسر الكثيرون هذا التعيين برغبة أوباما في جعل عمل وكالة الاستخبارات المركزية يتجاوب مع مبادئ سيادة القانون وحقوق الإنسان التي أعلنها، وكانت لدى الوكالة في السنوات الأخيرة مشاكل كبيرة في هذا المجال.
وستتلخص مهمة بانيتو، عمليا، في أداء دور "المنظف" الذي يتعين عليه تطهير سمعة الولايات المتحدة من عار سجن أبو غريب وغوانتانامو والسجون السرية وغيرها من مخلفات "الهفوات في مكافحة الإرهاب". وهذا يتيح في نفس الوقت استخلاص استنتاجات، بأن الولايات المتحدة تنوي تنشيط العمل الخارجي على خط حقوق الإنسان، مما ينسجم مع رؤية نقل الجهود من الاتجاه العسكري إلى الاستخباراتي.