سيناريوات نتنياهو وخيار اللاسلم
يقول سفير فرنسي سابق في إسرائيل إن حكومتها الائتلافية الحالية (حكومة كاديما)، هي الأكثر يسارية في التاريخ الحديث لإسرائيل، ويعزز قوله بالتنبيه الى طبيعة الجسم السياسي الحزبي الإسرائيلي وانزلاق المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين منذ السبعينات من القرن الماضي، والتحولات التي أصابت الأحزاب السياسية الإسرائيلية. وهذا ما يطرح سؤالاً عشية الانتخابات الإسرائيلية: هل ستكون حكومة برئاسة نتنياهو أكثر يمينية في سياستها الفلسطينية من هذه الحكومة التي تنهي مهامها بعدوان على غزة بعد العدوان على لبنان.
عناصر خمس تطبع بشكل خاص المعركة الانتخابية الإسرائيلية:
أولاً، فرضت قضية الأمن، التي عادة يرافقها مناخ من الخوف والتخويف والهلع، نفسها باعتبارها القضية الأساسية في المعركة الانتخابية. ساهمت في ذلك من دون شك التعبئة التي جرت عشية العدوان على غزة واستمرار التوتر وأجواء الحرب المستمرة، وقد أفادت هذه الأجواء بنيامين نتنياهو الأكثر تشدداً في خطابه والأكثر قدرة باعتباره خارج السلطة على توجيه الانتقاد لحزبي كاديما والعمل حول قصورهما في تحقيق أهداف هذه الحرب وفشلهما في ذلك، وفي التذكير بأن ما يحصل في غزة هو نتيجة الانسحاب الأحادي الذي قام به آرييل شارون الأب المؤسس لكاديما. ورغم الصورة التي أحاط وزير الدفاع إيهود باراك نفسه بها كقائد للحرب على غزة والتنافس بينه وبين تسيبي ليفني الوريثة المزدوجة لأولمرت وشارون وذات اللغة المتشددة أيضاً تجاه الفلسطينيين. إلا أن معركة الأمن ساهمت في جعل نتنياهو الأكثر شعبية كرئيس للوزراء بعد الانتخابات عند الرأي العام الإسرائيلي، وجعلت حزبه في طليعة الترجيحات بفوزه بأكبر عدد من المقاعد.
ثانياً، غياب البرامج في المعركة الانتخابية وشخصنة الصراع والتنافس وتركيز لعبة الهجوم والدفاع على الزعماء الثلاثة الأساسيين لأحزاب الليكود وكاديما والعمل. وغياب البرامج سببه من دون شك التحول السوسيولوجي أيضاً الذي حصل في إسرائيل. فلم يعد حزب العمل ذات توجه تدخلي في الاقتصاد، وتحول الى اقتصاد السوق وهي حال حزب كاديما، وبالطبع رمز الاقتصاد النيوليبرالي حزب الليكود.
ثالثاً، دخلت العلاقات مع الولايات المتحدة وتحديداً مع الرئيس الأميركي باراك أوباما "الذي لم يكشف أوراقه بعد" والداعي والواعد بانخراط مباشر في ديبلوماسية النزاع العربي ـ الإسرائيلي والتي كانت زيارة المبعوث الخاص جورج ميتشل أولى إرهاصات هذا الانخراط، دخلت هذه العلاقة كعنصر أساسي في الصراع الانتخابي. ليفني تقول ان انتصار نتنياهو سيعني صداما وتوتراً مع الولايات المتحدة وعزلة دولية لاسرائيل. ويرد نتنياهو بأنه يلتقي في كثير من الأمور مع اوباما وانه اذا كان لن يسمح بتفكيك المستوطنات فانه ايضا لن يسمح بزيادتها وانه بالتالي يتناغم في سياسته مع الادارة الاميركية الجديدة لانه سيعمل لتحسين الوضع الامني والتركيز على ما يسميه السلام الاقتصادي.
رابعاً، وجود حالة من التطرف الكبير ضد فلسطينيي إسرائيل المسمين في الخطاب الاسرائيلي بعرب اسرائيل، ولم يعد هذا التطرف حكراً على ليبرمان وحزبه "إسرائيل بيتنا" بل طال كافة الأحزاب. وما ادل على ذلك من تصريح تسيبي ليفني حول ان إسرائيل دولة قومية لليهود وان دولة فلسطينية ستشكل الحل الوطني لعرب إسرائيل حسب كلامها، ورغم تراجعها لاحقا عن هذا الكلام الا انه كان بمثابة بالون اختبار ويهدف الى تحقيق مكاسب انتخابية.
خامساً، انتهاء اليسار في إسرائيل وتهمشه كلياً مثل حزب ميرتس وخفوت صوته ثم التفكك الحاصل في حزب العمل بعد غياب قيادته التاريخية وافتقاده لبوصلة عقائدية وسياسية. الحزب الذي اسس الدولة الاسرائيلية، والحزب الذي اطلق سياسة الاستيطان في الأراضي المحتلة، صار يحل حسب استطلاعات الرأي العام في المرتبة الرابعة بعد الليكود وكاديما وحزب "إسرائيل بيتنا"، وهو في طريقه الى ان يفقد دوره كحزب اساسي ومركزي في النظام الحزبي الاسرائيلي. كما انه من غير المستبعد، اذا لم يدخل حزب كاديما الى حكومة ائتلافية بعد الانتخابات، ان يندثر عبر عملية صراعات داخلية سياسية قد لا تكون طويلة، وهو اساساً كان حزب الغاضبين من أحزابهم. خلاصة الأمر ان هنالك تغييرات اساسية اصابت الهيكل الحزبي الاسرائيلي، ومن دون شك تركت أثارها على اللعبة السياسية في اسرائيل.
الاحتمال الأكثر ترجيحاً في 10 شباط/ فبراير يكمن في تكليف نتنياهو بتشكيل حكومة جديدة باعتبار ان حزبه، كما تشير كافة الاستطلاعات، سيأتي في المرتبة الأولى من حيث حجم الكتل النيابية. وأمام نتنياهو ثلاثة سيناريوات مختلفة: أولها حكومة ائتلافية يمكن وصفها بالتقليدية، حيث انها تمثل المؤسسة الحاكمة وتوصف في اللغة السياسية الاسرائيلية بحكومة وحدة وطنية يشارك فيها الى جانب الليكود كل من حزبي العمل وكاديما. نتنياهو يصر على وجود باراك معه باعتبار انه ليكودي في تفكيره، وبالتالي يعطي طابعاً وسطياً لحكومة ليكودية في الخريطة السياسية الاسرائيلية بمشاركة كديما رغم ان ليفني تعلن عن رفضها لهذا الخيار. وقد يكون هذا الرفض تكتيكياً بهدف الحصول على حقائب وزارية معينة، سيكون بمثابة ورقة ضمان مطمئنة تجاه الخارج الغربي، مثل العمل بالنسبة لنتنياهو، اذ يوفر له الغطاء المطلوب دون ان يقيده في سياسته خاصة، انه لا يوجد بالفعل خلاف اساسي بين هذه الأطراف يتعلق بطبيعة التعامل مع الملف الأهم على الصعيد الأمني وهو الملف الفلسطيني. الخيار الثاني حكومة ائتلافية يقودها نتنياهو بالطبع ويستبدل حزب كاديما ببعض الأحزاب الدينية مثل "شاس" بشكل أساسي الذي يؤيده في سياسته الأمنية والفلسطينية ويريد في المقابل منافع اقتصادية اجتماعية لن يتوانى نتنياهو عن توفيرها له. السيناريو الثالث، حكومة ليكودية مع اليمين المتشدد العلماني مثل "إسرائيل بيتنا" وربما حزب الاتحاد القومي واليمين الديني الذي يضم "شاس" وبعض الأحزاب الصغيرة.
خلاصة الأمر أن السيناريوات الثلاثة قد تحمل تمايزاً في ما يتعلق بِشأن داخلي أساسي وهو دور "الديني" في الحياة السياسية الإسرائيلية وعلاقته بالدولة ولكن في ما يتعلق بالسياسة الفلسطينية بشكل خاص فنحن أمام تكريس للتطرف أياً كانت التركيبة الائتلافية القادمة. ومن نافل القول التذكير أن حكومة جديدة لن تشكل قبل منتصف آذار/ مارس الى آخره وكل شيء سيبقى مجمداً على الصعيد الديبلوماسي الى حين تشكيل تلك الحكومة. لكن لا يعني ذلك أن التحرك بعد هذا الجمود سيكون في الاتجاه الصحيح: اتجاه إحياء عملية تسوية سلمية، كانت على الرف فعلاً طيلة ثماني سنوات، وتبتعد كل يوم وقد ابتعدت بشكل كبير بعد عدوان غزة، وما يشجع على خيار اللاسلم وفرض استقرار الأمر الواقع وإدارته بالحد الأدنى الممكن من التوتر كسياسة إسرائيلية هو ازدياد حالة الانهيار الفلسطيني والشلل العربي وتحول القضية الفلسطينية مادة صراعية بامتياز في العلاقات العربية الإقليمية الدولية، كلها عناصر تؤجج الصراع وتوجّه الأنظار بشكل أكبر نحو دور منتظر للإدارة الأميركية الجديدة مع مزيد من التعقيدات والحواجز أمام هذا الدور.