القرصنة الإسرائيلية على "تالي" تحدّ آخر للمجتمع الدولي
برزت القرصنة الاسرائيلية جلية أمس باقتياد قوة بحرية "سفينة الاخوة" اللبنانية "تالي" المدنية الى ميناء أشدود، محملة مواد غذائية وطبية لسكان غزة المنكوبين من جرّاء حرب اسرائيلية شنت عليهم طوال 22 يوماً وأوقعت أكثر من 1300 ضحية وزهاء 5000 جريح وأضراراً جسيمة، اضافة الى حصار محكم واغلاق للمعابر وخرق دائم لوقف النار. القرصنة حصلت في المياه الدولية وعلى مسافة عشرة اميال من المياه الاقليمية للقطاع.
لجأ المسؤولون على اختلاف مستوياتهم الى الولايات المتحدة وفرنسا والأمم المتحدة لانقاذ السفينة التي تضم رجال دين مسيحيين ومسلمين وناشطين وأربعة اعلاميين للطاقم. فطلبوا من السفيرين الاميركي والفرنسي ميشيل سيسون واندريه باران والممثل الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة مايكل وليامز التحرك العاجل لدى اسرائيل من اجل عدم التعرّض للباخرة. كما أجريت اتصالات بكل من بريطانيا ومصر للغرض نفسه. وسارع الرئيسان نبيه بري وفؤاد السنيورة الى فتح هواتفهما أكثر من مرة مع سيسون وباران ووليامز، بعدما تلقوا معلومات من منظم الرحلة المحامي هاني سليمان، من على متن السفينة، عن ظهور زوارق حربية اسرائيلية في مواجهة السفينة وتحليق مروحيات فوقها وإلقاء قنابل ضوئية. وتبلغ الناشطون على متنها أنه يُمنع دخول اي سفينة غير اسرائيلية الى غزة اياً تكن وتحت أي ظرف، وانها ستكون مستهدفة اذا أكملت مسيرتها. غير أن الناشطين على متنها لم يتأثروا بالترهيب الاسرائيلي، فقرروا المضي في رحلتهم من أجل توفير المعونة لأبناء غزة، وفي مقدمهم مطران القدس في المنفى السوري الجنسية ايلاريون كبوجي.
وأفادت مصادر ديبلوماسية واسعة الاطلاع أنه لا يحق لأي دولة ان تعترض بواسطة زوارقها، اي سفينة في المياه الدولية، وفقاً للقانون الدولي.
ولفتت الى ان التعامل مع "سفينة الأخوة" قرصنة تقوم بها دولة عضو في المنظمة الدولية ضد تلك السفينة التي تتجه الى القطاع في مهمة انسانية. ومما زاد في التصرف الهمجي للبحرية الاسرائيلية ليس اعتراضها للسفينة فحسب، بل الاعتداء بالضرب على ركابها من رجال دين واعلاميين وقبطان السفينة وسائر افراد الطاقم، قبل التفتيش عن أسلحة على متنها. وبعدما اعترفت القوة التي عاينتها بأن لا سلاح على متنها، أمر وزير الدفاع إيهود باراك باقتيادها الى ميناء اسرائيلي لمزيد من تخويف ركابها. ووصفت هذا التصرف بأنه "عمل جبان يمارس من دولة تتمتع بأكبر آلة عسكرية متفوقة في منطقة الشرق الأوسط وتعرض عضلاتها على مدنيين عزّل يقومون بعمل انساني".
ورأت ان التصرف الاسرائيلي مع "تالي" هو وصمة عار اضافية على جبين اسرائيل وارتكاباتها الهمجية التي نفذتها بمختلف الأسلحة اثناء هجومها على غزة. وقالت ان هذا سيزيد سمعة اسرائيل سوءاً، ليس لأنها لم تتجاوب مع المساعي الاميركية والفرنسية والأممية فحسب، بل لأنها أمعنت في صمّ آذانها. وما قامت به يعكس مدى القلق الذي تعيشه والمخاوف التي تبديها وتستخدم ما توافر لديها من اسلحة حديثة ضد من تصنفه بأنه عدو ويتحضر للانقضاض عليها.
ولفتت مصادر وزارية الى أن مصير الناشطين استمر غير معروف حتى ساعة متأخرة من الليل. اسرائيل نبّهت قبل مصادرة السفينة الى انها ستمنع تقدمها وبرّرت ذلك على طريقتها. غير أن المطران والشيخين وسائر الناشطين قرروا خرق الانذار الاسرائيلي، فلجأوا الى تغيير مسار السفينة للانطلاق الى ميناء القطاع من ميناء العريش، فوقعت المشكلة بعد الانقضاض على متنها في شكل اجتياح، وكأن الجنود المكلفين المهمة يهاجمون عدواً مدججاً بالسلاح. وقالت انه ما دام تبين لباراك ان السفينة خالية من الأسلحة، وشاهد جنوده بأم العين خلوها منها، فلماذا الابقاء على "تالي" في ميناء أشدود؟ وعقبت: "اذا كانت الأمم المتحدة عجزت عن وقف الحرب الوحشية التي شنتها اسرائيل على غزة وعلى المكاتب التابعة للمنظمة الدولية بما فيها مدارس "الأونروا"، فهل ستعجز أيضاً عن اقناع اسرائيل بالافراج عن ركاب "تالي"، وجريمتهم أنهم يحملون مساعدات انسانية الى سكان غزة؟ وإذا تبين ذلك، فالسؤال الكبير المطروح: ما الجدوى من بقاء هذه المنظمة؟ والى متى تبقى ساكتة عن تجاوزات اسرائيل ليس السياسية والقانونية فحسب بل الانسانية أيضاً؟".