#dfp #adsense

الجنوب

حجم الخط

الجنوب…

يكاد الوضع في الجنوب وانطلاقاً منه يضيع يا إخوان في خضم الجدل الخاص بالتنصّت، الذي لم يوصل سابقاً الى نتيجة ولن يوصل راهناً الى نتيجة، وفي خضم الكلام الكبير عن الانتخابات بكل تفاصيلها وجنونها.
إذ أن التهديدات الإسرائيلية التي صدرت في الأيام القليلة الماضية تشير مرة أخرى الى خطورة الحالة القائمة جنوباً، وإلى أن الوضع الراهن قد يفرط بشكل دراماتيكي عند أدنى خلل ميداني. لا القوة التابعة للأمم المتحدة، ولا القرار 1701، ولا الجيش اللبناني بطبيعة الحال، يمكن أن يمنع إسرائيل من استغلال أي خطأ في الحسابات.. أو أي حسابات مقصودة ومطروحة على قياس مصلحة من يريد أن "يلقن إسرائيل درساً" مستخدماً في ذلك عِدّة تبدأ بأرواح الجنوبيين وأرزاقهم، وتنتهي بأرواح سكان آخر قرية في الشمال وأرواحهم.

ومن جديد يُقال، نظرياً، إن إسرائيل لا تحتاج في برنامجها العدائي الى ذرائع من هنا أو هناك. لكن واقع الحال في كل الحروب التي تلت نكبة العام 1948 يفيد أنها دائماً احتاجت الى حُجّة ما.

في العام 1956 انخرطت في حرب السويس مع البريطانيين والفرنسيين مستفيدة من "حُجّة" التأميم وتبعاته. في العام 1967 استفادت من "حُجّة" مضائق تيران وسحب قوات الأمم المتحدة من سيناء. في العام 1978 استفادت من "حُجّة" عملية دلال المغربي. في العام 1982 استفادت من "حُجّة" محاولة اغتيال سفيرها في لندن أرغوف، التي تبيّن لاحقاً أن منفذها كان تنظيم "أبو نضال". وما أدراك الى أين كانت تمتد خيوط "أبو نضال" ومن كان المستفيد الأول منها… في العام 2006 استفادت من "حُجّة" خطف الجنديين. وفي الحرب الأخيرة على غزة استفادت من "حُجّة" الصواريخ.

كل تلك الحروب لم تكن بطبيعة الحال وليدة لحظتها، إنما جاءت في سياق ممنهج يعتمد القوة سبيلاً وحيداً للسيطرة على الأرض، والإمعان في قهر إرادة الفلسطينيين ومحاولة تذويب قضيتهم، وجاءت في سياق استراتيجي لم يتوقف إلا لفترة وجيزة من الزمن، تلت انهيار المعسكر الاشتراكي وانتهاء الحرب الباردة والدخول في مفاوضات السلام من مدريد الى أوسلو… كل ذلك لا يحتاج الى محاججة ولا الى استطرادات، لكن الأمر ملفت فعلياً… دائماً كانت إسرائيل تريد حُجّة ما لإطلاق حربها، ودائماً كانت تنتظر تلك الحجّة أو تدفع الى افتعالها بطريقة أو بأخرى.

لكن الجدال المطروح لا يتعلق بإسرائيل ونيّاتها. إنما بالجانب الذي نحن فيه. والكلام عن ذلك فيه مطبّات وعوائق وصواعق، وأفواه مليئة بالمياه، وقراءات تختلف كثيراً عن قراءات أصحاب الصواريخ… وفيه ما فيه من حرص على المداراة والابتعاد عن الغلظة، لكن فيه أيضاً قراءة سياسية تفترض أن أصحاب المشاريع الإقليمية الكبرى، والأحلام الإمبراطورية، والطموحات الأكبر من الواقع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً… هؤلاء قد يجدون من المناسب لهم ولمصلحتهم الراهنة إعطاء إسرائيل تلك الحجّة وانطلاقاً من لبنان وجنوبه تحديداً.

حالتنا يا إخوان لا تسرّ الخاطر لا من قريب ولا من بعيد. لكن الخوف من الأسوأ قد يجعل الخوف نفسه مكرمة محفّزة للدعوة الى محاولة الأخذ في الحسبان والاعتبار كلفة أي حرب جديدة، وتأثيراتها التدميرية والتمويتية قبل الوصول الى إعلان "الانتصار"… إلا إذا قرر رواد الممانعة من بحر قزوين الى مرتفعات الجولان مروراً بعواصم الظواهر الصوتية "تلقين إسرائيل درساً" على حسابهم هم. حينها فليتكلوا على الله. أما أن يتكلوا علينا نحن فقط في لبنان، فهذه لعمري وشرفي وطولي وعرضي، مسألة عويصة، وحسابها صعب، ونتيجتها الأكيدة خراب وموت على مدّ النظر… الى حد تصير معه رؤية ذلك "الانتصار" معدومة تماماً وبتاتاً!! والله أعلم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل