حقيقة التنصت وأسباب إستحالة ضبطه
لن تكون المرة الأخيرة في لبنان التي تُثار فيها قضية التنصت، فمنذ أن إقتحم الرئيس الراحل صائب سلام غرفة التنصت في مطلع السبعينات من القرن الماضي وحتى اليوم، قرابة الأربعين عاماً، والتنصت موجود سواء أكان مقونناً أم غير مقونن.
عندما إندلعت الحرب، في منتصف السبعينات وتحوُّل الميليشيات إلى (جيوش منظمة) أصبح لدى البعض منها أجهزة تنصت تفوق بقدراتها وتقنياتها الأجهزة الموجودة لدى الجهات الرسمية في الدولة، وفي المقابل كانت لدى منظمة التحرير الفلسطينية أجهزة تنصت فاعلة جداً في قلب بيروت وفي المخيمات.
* * *
مع دخول الهاتف الخليوي إلى لبنان إزداد الوضع تعقيداً وتشعباً، فأصبح بإمكان شركتَي الخليوي التنصت من داخل الشركتين وكانت الأجهزة التقنية موجودة، حتى إن أي جهة بإمكانها التنصت من خلال جهازٍ بحجم المحفظة التي تُحمَل في اليد ويقف حاملها على بُعد مسافة معينة من الخليوي المراقب.
* * *
اليوم مَن يستطيع التنصُّت؟
الأجهزة الأمنية اللبنانية، شركتا الخليوي، السفارات، قوات الطوارئ الدولية، الأحزاب والتنظيمات التي لديها قدرة مالية وتقنية، الدول التي تملك أقماراً صناعية وطائرات تجسس والتي يقع الفضاء في مدارها.
إلى هذا الحد العملية معقَّدة ومتشعِّبة، أما طريقة التعاطي معها في لبنان فساذجة وموسمية وترتبط بتسجيل بطولات وهمية ومراكمة حسابات إنتخابية.
لو بُعث الرئيس الراحل صائب سلام حيّاً، فكم غرفة تنصت عليه أن يقتحم؟
إن الواجب الوطني يستدعي مصارحة الشعب اللبناني بحقيقة أن التنصت حيوي ومطلوب وإن إثارته بهذا الكم من الفوضى والكيدية والإرتجالية يكشف البلد أمنيّاً، والفرحة الآن تعم العصابات والشبكات الإرهابية والإجرامية لأنها ستكون في منأى عن المراقبة الهاتفية والتعقُّب. إن أجهزة المخابرات في العالم تعتمد في سبعين بالمئة من عملها على التنصت فيما يبقى الثلاثون في المئة على عاتق المخبرين والجواسيس، وقد تضاعف الإعتماد على التنصت بعد (عولمة الإرهاب) ولم يعد مقتصراً على منطقة أو دولة.
* * *
إن التعاطي اللبناني مع هذه القضية، إما أن يأخذ كل هذه المعطيات والحقائق بعين الإعتبار، في معرض معالجتها وإما أنه سيبقى قاصراً في إدراك أهميتها ودقتها وخطورتها.
إذا أخذنا القضية بطريقة أكثر تبسيطاً فماذا نكتشف؟
إذا قررت جهة معينة رسمية وضع شخص (تحت التنصت) حتى من دون طلب من الوزير المعني وحتى من دون موافقة النيابة العامة التمييزية، فمَن لديه القدرة على كشف هذا التنصت؟
وإذا كان بإمكان أي مواطن أن يطلب (فاتورة مفصَّلة) بالأرقام التي يطلبها وبالأرقام التي تَرِدُه، فإن أي جهة قادرة بإمكانها الحصول على هذا الطلب، وجزءٌ من ألية التنصت يقوم على معرفة الأرقام المطلوبة والأرقام الواردة.
* * *
يكفي أن يعرف الرأي العام إن الضابط الشهيد وسام عيد كان من أجدر محللي الإتصالات، وقد تمكّن بجدارته من كشف أكثر من شبكة إرهابية ومن كشف الربط والتنسيق بين أكثر من شبكة.
* * *
الحل في غاية البساطة:
أن يأخذ المعنيون ما حدث وتحقق من إنجازات فيُطوِّرونها لحماية الأمن الوطني، وأن يُسقطوا كل ما له علاقة بحرف عمل التنصت عن أهدافه الحقيقية، ولكن أين هم المسؤولون الجديرون المؤهلون للقيام بهذا العمل الشفاف في غياب شفافية القانون عن البلد؟