#dfp #adsense

وما خوفي من البلل ؟

حجم الخط

وما خوفي من البلل ؟

بلغ الصراخ السياسي المتعالي حيال ملف التنصت مع مطالع مناخ انتخابي واعد باحتدام غير مسبوق حدّا من التضخيم والتكبير اللذين بات يتوجب معهما على معظم المنخرطين في هذه الموجة التنبه الى مفاعيل الجرعة الزائدة وما يمكن ان تخلفه من اضرار انتخابية معاكسة لما يرجونه.

هذا الملف غالباً ما كان يقترن على المستوى الشعبي العام ابان عصر الوصاية السورية خصوصاً بمسألة قمع الحريات وترهيب الخصوصيات الفردية واقحام مخالب النظام الامني – الاستخباراتي في يوميات الناس. بعد انصرام عصر الوصاية قلّت المخاوف الفردية والجماعية على الحريات السياسية والحريات الخاصة الى حدود بعيدة، غير ان آفة الازمات الداخلية المتناسلة والمقترنة بدورها بحرب الاغتيالات الدموية ظلت تشكل تذكيراً دوريا للمواطنين بان غرف الاستماع والرصد والتعقب لا تزال ماثلة كتهديد متواصل سيئ، "وأسوأ ما فيه انه لا بد منه". تلك المشكلة الامنية لو قامت في دولة طبيعية لما كان هناك ما يوجب او يؤدي الى نشوء "ملف" للتنصت. غير ان الحال على ما يعرفها الجميع هي اولاً واخيراً في انقراض ثقافة الدولة وموتها والمحاولات الباهرة المتلاحقة لإجهاض اي احتمال القيامة لها. ولم يكن ادل على ذلك من "الغسيل الفوّاح الذي نشرته موجة الصراخ المتصاعد حيال فروع هذا الملف ومشتقاته وتعقيداته المرئية وغير المرئية.

على ان اللافت الذي لا يحتاج الى اثبات وأدلة وبحسب اي كان ان يتثبت منه بمجرد استطلاع فوري في عزّ زحمة الاستطلاعات الانتخابية ونجوميتها الصاعدة، هو ان الناس ما عادوا يأبهون لكبائر الكلام والضجيج، وحتى في عزّ يقينهم وتثبتهم من ان ملائكة تنصت ما، متفرع من جهاز ما، حاضرون في استراق الخصوصيات، في ما يلزم ولا يلزم، وفيما يعني القانون 140 وما لا يعنيه، وفي كل معزوفة تُلبس لباس الامن القومي عن حق او عن زور. خلاصة الكلام ان الناس استأسدوا على القانون أسوة بكل الاسود الذين امتهنوه اصلاً ولا سيما أولئك الذين تحولوا فجأة، وبسحر انتخابي ساحر، دعاة حراسة لقانون ذهب على أيديهم الى غير رجعة ولم يعد، وأقاموا متاريس لا تخترق امام مشروع الدولة فاذا بالمشهد أشبه بانقلاب موصوف ينبئ بعينة من عينات يقدمها الحراس الجدد للقانون.

ضاع الناس أصلاً في هذه الطفرة المفاجئة التي قيل لهم انها متصلة باقتراب المحكمة الدولية، ثم باقتراب الانتخابات، ثم بصراع الديوك على السلطة بكل مشتقاتها الامنية والسياسية والاقتصادية. واستفاقوا فجأة على قانون مهمل منسي وباتوا يعلمون من "خبراء" الاعلام والصحافة والشاشات الذين بدورهم لم يكونوا قط في وارد التذكر، ان هذا القانون صدر تحت الرقم 140.

كل ذلك جرى ويجري ولا احد يسأل لماذا لم يعد الناس في لبــــنان، وليس المواطنون اللبنانيون وحدهم، يخافون؟ ولماذا لا يتـــردد صــــدى القضايا الكبيرة المتعلقة بالتنصت لديهم الا في ما يعني من تجسس على
خصوصياتهم؟

لربما فات الجميع ان أخطر ما في "دولة القانون" التي تغرغر بشعارها العهد السابق تسع سنوات انها كسرت هيبة القانون تحت وطأة الافراط في القمع والاستنساب وأورثت العهد الحالي حالة تسيب في ثقافة القانون، بات معها الناس لا يأبهون لان لسان حالهم "انا الغريق وما خوفي من البلل". فمن ابتلع انهر حقبة الوصاية لن يغص بساقية صراع الديوك على السلطة الامنية. واخطر ما في الأمر ان ثمة الكثير مما يخيف في ملف التنصت، لكن الناس في واد مختلف عن الصارخين.
فهل ينسحب الأمر غداً على "كبائر" ملفات اخرى تصل الى حد استهانة الناس بمصيرهم؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل