#adsense

ما سيثبته اللبنانيون في 14 شباط 2009

حجم الخط

ما سيثبته اللبنانيون في 14 شباط 2009…

إنها بكل بساطة معركة لبنان. إنها مواجهة بين لبنان ـ الوطن من جهة… ولبنان ـ الساحة من جهة أخرى، بين ثقافة الحياة وثقافة الموت لاأكثر ولا أقلّ. إنها مواجهة بين اللبناني الذي يريد العيش في دولة مستقلة مرتبطة بكل ما هو حضاري في العالم وبين من يريد أن يكون أداة للتخلف المتمثل بالمحور الإيراني- السوري الساعي إلى وراثة نظام الوصاية على الوطن الصغير. هذا المحور الذي يعتبر الشعبين اللبناني والفلسطيني وقودا في معاركه التي لا أفق لها. لا أفق لهذه المعارك باستثناء اعتقاد قادة المحور بأنها تسمح لهم بالتوصل إلى صفقات مع الإدارة الأميركية الجديدة، إدارة أوباما، ومع اسرائيل نفسها على حساب اللبنانيين والفلسطينيين وحتى العراقيين وعلى حساب كل ما هو عربي في المنطقة!

توفر الأسابيع المقبلة الممتدة من الرابع عشر من شباط ـ الجاري وحتى السابع من حزيران ـ المقبل، موعد الانتخابات النيابية، فرصة ليثبت اللبنانيون، خصوصا المسيحيين منهم أنهم ليسوا أدوات لدى الأدوات كما حال النائب ميشال عون الذي أتقن فن تغطية الجرائم التي ترتكب في حق لبنان واللبنانيين وصار خبيرا محلفا لدى المحاكم في هذا المجال. من لديه أدنى شك في ذلك، يستطيع العودة إلى تصريح حديث للجنرال عن ضرورة إحالة الرئيس السنيورة والزعيمين الوطنيين النائبين سعد الدين الحريري ووليد جنبلاط على المحاكمة بتهمة الإساءة إلى سوريا. ضرب الجهل بالمهرج برتبة جنرال إلى حد أنه لم يعد يفرق بين سوريا والشعب السوري اللذين يحظيان باحترام اللبنانيين من جهة وبين نظام متهم بارتكاب كل أنواع الجرائم في حق اللبنانيين من جهة أخرى. إنها لائحة طويلة من الجرائم تبدأ في أواخر الستينات من القرن الماضي بإرسال الفدائيين الفلسطينيين إلى لبنان لفتح جبهة من جنوبه في وقت سكتت كل الجبهات العربية، وتنتهي بسلسلة الجرائم التي ارتكبت في الأعوام الأربعة الأخيرة والتي صبت في عملية تغطية جريمة كبرى تمثلت بتمديد ولاية الرئيس إميل لحود. كانت ثمة حاجة إلى جرائم أكبر لتغطية الجريمة الأصلية. لذلك اغتيل الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط فبراير 2005 ثم توالت سلسلة الإغتيالات وكأن الخطأ يمكن إصلاحه بخطأ آخر، وكأن الجريمة تصلح للتخلص من جريمة سابقة لها ومحو آثارها.

ستوفر الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس الحريري والنائب باسل فليحان ورفاقهما فرصة ليؤكد اللبنانيون مرة أخرى أن دماء الشهداء لن تذهب هدرا وأن ثورة الأرز، ثورة الاستقلال الثاني، مستمرة وأن "غزوة بيروت" التي شنها "حزب الله"، والتي لم تكن سوى استكمال للعدوان الأسرائيلي على لبنان واللبنانيين، ارتدّت على من قاموا بها. أهل بيروت "صامدون" على حد تعبير سعد الحريري الذي يحمل مشعل الاستقلال الثاني. أكثر من ذلك، أنهم يرفضون الانجرار إلى لعبة السلاح التي يسعى "حزب الله" ومن يستخدمونه في طهران ودمشق إلى جرهم إليها بهدف واضح كل الوضوح. يتمثل هذا الهدف في توجيه ضربة قاصمة إلى بيروت العربية عن طريق إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية على غرار ما حصل في بغداد، عاصمة الرشيد.

سيؤكد اللبنانيون من كل الطوائف والمذاهب والمناطق في الرابع عشر من شباط أن ثورة الأرز حية فيهم وأن انتفاضة الرابع عشر من آذار 2005 لم تكن حدثا عابراً. سيثبت اللبنانيون أن دماء رفيق الحريري وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني ووليد عيدو وبيار أمين الجميل وأنطوان غانم لم تذهب هدرا. كذلك دماء اللواء فرنسوا الحاج والرائد وسام عيد والنقيب سامر حنا ودماء كل شهداء الجيش الوطني الذين سقطوا في مخيّم نهر البارد أو في التفجيرات المتنقلة. سيثبت اللبنانيون أنهم يعرفون جيدا لماذا ارتكبت كل جريمة من هذه الجرائم ومن يقف وراءها ولماذا يسعى ميشال عون إلى تغطيتها بناء على طلب من معلميه الجدد وهم في الواقع معلموه القدامى إياهم!

سيثبت اللبنانيون في الرابع عشر من شباط 2009 أنهم لم يرضخوا للإرهاب والابتزاز ولن يرضخوا لهما. سيثبتون أنهم لا يقلون شجاعة وجرأة عن أهل الجبل الذين تصدوا لجحافل "حزب الله" من الشويفات إلى تومات نيحا، في أعالي الشوف، في السابع والثامن والتاسع من أيار ـ الماضي في الوقت الذي كانت بيروت تتعرض لما تعرضت له من ترهيب على يد الذين يعتقدون أن الميليشيات المذهبية المسلحة كافية للاستيلاء على الإرادة الوطنية وإسكات صوت الحق المطالب بالعدالة عن طريق المحكمة الدولية التي ستبصر النور في أول آذار ـ مارس المقبل.

سيثبت اللبنانيون أنهم يرفضون أن يكون بلدهم مجرد "ساحة" يتاجر بها المحور الإيراني ـ السوري على غرار ما يحصل حاليا في غزة. سيثبتون أن تركيبة لبنان ليست بالهشاشة التي يعتقدها أركان النظامين الإيراني والسوري. وسيثبتون خصوصا أنهم قادرون على الدفاع عن الإنجازات التي تحققت منذ اغتيال رفيق الحريري بما في ذلك خروج الجيش السوري من الأراضي اللبنانية. سيقول اللبنانيون بصوت واحد أنهم مع علاقات ندية مع سوريا وأنهم يعتبرون مثل هذه العلاقات في مصلحة البلدين والشعبين ومستقبلهما. لن يطلقوا هتافات عنصرية ولن يرفعوا شعارات تستفز أحدا. ستكون رسالتهم رسالة محبة وسلام نابعة من العروبة الحقيقية، العروبة المنفتحة على كل ما هو حضاري في هذا العالم. إنها عروبة بيروت المدينة المتألقة التي أعاد رفيق الحريري الحياة إليها انطلاقا من إعادة بناء وسطها. هذا الوسط، يمثل قلب لبنان الخافق بمسيحييه ومسلميه وكل من آمن بهذا الوطن ورفض لبنان ـ الساحة ورفض خصوصا المتاجرة بدماء اللبنانيين وأرزاقهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل