تأخّر أوباما في دفع مساعي السلام يرتّب تعقيدات إضافية
المراوحة الإقليمية أقرب الاحتمالات في حال فوز نتنياهو
تفتح الانتخابات الاسرائيلية المرتقبة هذا الاسبوع الباب على مرحلة تراوح فيها الأمور مكانها، خصوصاً إذا صحّت التقديرات والتوقعات حول وصول بنيامين نتنياهو الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية. اذ ليس متوقعاً أن يعمد نتنياهو، خصوصاً اذا تحالف مع زعيم حزب إسرائيل بيتنا" افيغدور ليبرمان الى التفاوض مع الفلسطينيين مع ميله المعروف الى التفاوض مع سوريا في الدرجة الاولى. ومعلوم ان ثمة تلاقياً للمصالح من جهة اسرائيل وسوريا للتفاوض من أجل التفاوض وليس من اجل التوصل الى نتائج. وما يهم هو المسار في ذاته أكثر من النتيجة. فنتنياهو لا يرغب في الخضوع لأي ضغوط من أجل السلام، ويؤمن له الاستمرار في التفاوض مع سوريا بعض الممانعة ازاء المجتمع الدولي.
في حين ان سوريا تظهر عبر المسار نفسه انفتاحها واستعدادها للسلام على رغم كل شيء. وكان زوار أجانب لدمشق أخيراً نقلوا في عز الحرب الاسرائيلية على غزة عن الرئيس السوري بشار الأسد رغبته في استكمال المفاوضات غير المباشرة بين سوريا واسرائيل بعد انتهاء الحرب على غزة، في تأكيد لإظهار نيّة الانفتاح والسلام، مما يساهم في فك العزلة الدولية من حوله أكثر فأكثر.
ولا يملك المجتمع الدولي الا ان يشجع هذا الاتجاه ويدعمه بغض النظر عن احتمالات وصوله الى نتائج او لا، علماً انه لا يعتقد على نطاق ديبلوماسي واسع ان سوريا قادرة على انجاز السلام بمعزل عن الفلسطينيين باعتبار ان لا قدرة لسوريا على التوجه منفردة الى السلام وهي تعتمد مواقف ذات صلة بالقضية الفلسطينية وما الى ذلك. وليس خافياً أن بقاء المسار مفتوحاً يوفّر لها الحصانة، اذا صحّ التعبير، في حال حصل تصعيد ما ضد اسرائيل من خلال القول انها ليست معنية به او ليست وراءه، خصوصاً اذا كان من يقوم به على صلة بها.
والمخاوف من المرحلة المقبلة مع نتنياهو ايضاً تجد صدى لها في شكل خاص اذا لم يعتمد الرئيس الاميركي باراك اوباما سياسة اميركية جديدة وفعالة في المنطقة وترك احتمالات التعاطي مع هذا الملف الى السنتين الأخيرتين من عهده. فايفاده مبعوثاً اميركياً الى المنطقة هو جورج ميتشل عُدّ حتى الآن اشارة ايجابية، لكنها ليست اشارة كافية حيال النية لمعالجة ملف المنطقة، باعتبار ان اهتمام ميتشل ينصب اولاً بأول على موضوع غزة في المرحلة الراهنة. وتعتقد مصادر ديبلوماسية غربية ان اوباما، وهو في مطلع رئاسته، في موقع قوة يسمح له بالاقدام والضغط في الوقت نفسه. اذ ان مجرد انتخابه ساهم في تبديل الأجواء ازاء الولايات المتحدة. وهو رئيس يحظى بدعم خارجي يسمح له بذلك ولم يتمتع به اي رئيس اميركي من قبل وفي ظل الاستعدادات التي تبديها ادارته من أجل فتح حوار مع ايران حول ملفها النووي كما حول طموحات أخرى لإيران، يتعيّن عليه ان يظهر ارادة حقيقية في موضوع السلام في المنطقة من أجل الا يترك الدول العربية المعتدلة في وضع صعب امام تحديات مختلفة ومتعددة. ومعلوم ان اوباما يحتاج الى موقف عربي داعم في حال ساءت الأمور مع ايران ولم ينجح الحوار، لأن الولايات المتحدة ستكون محكومة بالذهاب الى الخيار العسكري الذي امتنع عنه الرئيس السابق جورج بوش لعدم قدرة ادارته على حرب جديدة بعد افغانستان والعراق، في حين ان أوباما سيمتلك ورقة استخدام السبل العسكرية اذا فشلت السبل الديبلوماسية. وسيضطر الى ذلك، على ما ترى المصادر الديبلوماسية الغربية المعنية، لأن صدقيته على المحك ما دام اعتمد سبيلاً غير الادارة السابقة، كما ان صدقية بلاده على الصعيد الدولي ستؤدي دورها عندئذ. ومن هنا الكلام على مخاطرة اوباما في الحوار المباشر الى درجة توقع رد فعل عنيف من ادارته اذا شعر بأن ايران تعتمد الحوار من أجل كسب الوقت وتحقيق تقدم أكبر في ملفها النووي، وسيكون رد الفعل هذا على الارجح، رداً عسكرياً مبرراً الى حد بعيد على الصعيد الدولي.
لذلك تعتقد المصادر المعنية ان اهتمام اوباما جدياً بالسلام في المنطقة يجب ان يسير جنباً الى جنب مع الحوار المباشر المرتقب مع طهران، فضلاً عن ان الاعتدال في المنطقة يواجه صعوبات جمة وسيواجه تحديات أكبر مع نتنياهو. وليس الاجتماع الأخير الذي عقد الاسبوع الماضي في ابو ظبي وضم ثماني دول عربية خليجية اتخذت موقفاً حازماً من التدخل الخارجي في شؤون المنطقة، إلاّ رسالة جديدة للادارة الاميركية الجديدة، بالاضافة الى الرسالة التي وجهتها قمة الكويت حول استمرار التمسك بالمبادرة العربية، ولكن ليس لأجل غير محدود. والرسالتان تغمزان من زاوية ايران ومحاولتها تثبيت امتلاكها اوراقاً اكثر في المنطقة العربية قبل الذهاب الى الحوار المباشر المحتمل مع الولايات المتحدة والتفاوض معها على هذا الاساس. ولا ينفصل هذا التوجه عن مخاوف متعلقة بقوى أخرى قد تجد الفرصة متاحة لها في حال اظهار ادارة اوباما تلكؤاً حيال ازمة المنطقة لخلق أمر واقع اقليمي جديد وفرضه على الولايات المتحدة وسواها من القوى المعنية بعملية السلام. فالجميع يدركون ان الرئيس الاميركي الجديد منهمك، وسينهمك لمدة طويلة في الاولوية القصوى لإدارته وبلاده، وهي الازمة المالية المتفاقمة وهذا يعني ان ثمة من يراهن واقعياً على توظيف مدة طويلة قد يستغرقها الانصراف الاميركي عن المنطقة لخلق ما يحلو له من وقائع تعزز اوراقه ومواقعه. وهذا احتمال ينسحب على اسرائيل مثلما ينسحب على ايران وسوريا، مما يجعل الحقبة التالية للانتخابات الاسرائيلية مرحلة اختبارية بالغة الدقة.