#adsense

إنها رقعة “بازل” واحدة وإن بدت قطعاً متفرقة

حجم الخط

.. إنها رقعة "بازل" واحدة وإن بدت قطعاً متفرقة !

لا تنضح مواقف الأقلية النيابية، السياسية منها والاعلامية والعملية على الأرض، إلا بما يفيد بأنها تتوقع "شيئاً" ما، في الداخل اللبناني أو في المنطقة، وأن تكون لذلك تداعياته ان على مستوى قلب الأوضاع رأساً على عقب أو أقله على مستوى منع اجراء الانتخابات النيابية في موعدها المقرر في السابع من حزيران المقبل.

وليست بعيدة عن هذا "الشيء" ولا مفصولة عنه، الحملة التي شنتها أطراف منها على رئيس الجمهورية في سياق الحديث عن الرغبة بدعم غزة، أو قصة تمويل صندوق الجنوب في كنف البحث بالموازنة، أو زميلتها قصة التنصت على هامش تعزيز الأمن والتعاون مع المحكمة الدولية، أو أخيراً استعادة مقولة جثامين الأسرى والشهداء لدى قوات الاحتلال بعد أن ساد الشعور بأن هذه المسألة قد أقفلت بعملية تبادل الأسرى والأشلاء قبل شهور.

والعملية كلها، في أي حال، مرتبطة مباشرة بما تعتبره الأقلية مرحلة ما بعد "اتفاق الدوحة" وقولها ان ذلك الاتفاق كان تكريساً لتغير ميزان القوى نتيجة ما حدث في السابع من أيار العام 2008. فلم تعمل الأقلية على اشاعة مقولتها تلك في اعلامها ولدى قواعدها فقط، بل آمنت هي بها فضلاً عن أنها تصرفت على أساسها سواء داخل الحكومة ومجلس النواب وفي الادارة العامة أو خارجها. وفي ظل ذلك، كانت كما لم يعد خافياً "حرب" تشكيل الحكومة، ومثيلتها "حرب" البيان الوزاري، وما أثير يومها ـ وما يزال حتى الآن ـ بشأن توسيع طاولة الحوار واضافة بنود جديدة على جدول أعمالها، وصولاً في الفترة الأخيرة الى "حروب" المجالس والتعيينات والتشكيلات الادارية والقضائية وهيئة الاغاثة العليا وصندوق الجنوب والتنصت وغيرها.

أما على الأرض، وبالرغم من ذلك كله، فلم تقنع تلك "المقولة" أحداً، لا لشيء الا لأنها غير حقيقية وغير واقعية. بل ان الأكثرية اعتبرت ما حدث يوم السابع من أيار خطأ كله، وحتى عيباً كبيراً سعت هي ـ بالغائها القرارين اللذين أخذا كذريعة ـ الى الحيلولة دون الانزلاق به الى درك "الخطيئة" القاتلة.

ولكن ماذا عن الوضع الآن؟!.
أياً كانت الأقاويل والذرائع، تبقى الانتخابات النيابية هي الأساس المحلي لكل ما تفعله الأقلية حالياً أو تخطط له في المستقبل، بينما تبقى المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وما يسمى بفكر "الممانعة" الرافض أبداً وسلاح "المقاومة" الدائم أبداً هي الأساس الاقليمي له.

ولذلك، فغالب الظن أن "التهدئة" السياسية (والأمنية أولاً وقبل كل شيء) التي شهدها لبنان منذ "اتفاق الدوحة" قبل ثمانية شهور ربما تشكل نقطة الامتحان الأساسية في الفترة القليلة المقبلة.

لماذا؟!، لأنه عندما يبدأ الكلام علناً على نزاع مسلح بين "حماس" و"فتح" في لبنان تزامناً مع النزاع بينهما في غزة والضفة الغربية، ويعبر البطريرك الماروني نصر الله صفير عن تخوفه من "انقلاب" يحلم به البعض لاستبدال الرئيس العماد ميشال سليمان بـ"رئيس" آخر، وتتكاثر المعلومات عن عمليات اغتيال تستهدف نائباً من هنا ومرشحاً للانتخابات النيابية من هناك، يصبح جائزاً توقع أن تتأكد الحكمة السائرة التي تقول إن الظن من حسن الفطن.

ذلك أن "التهدئة" كانت، وما تزال، هشة حتى على مستوى التصريحات التي يطلقها رؤساء وقادة الأحزاب والتيارات والكتل النيابية، في الوقت الذي لا يتوانى فيه البعض عن اللجوء الى لغة التهديد والوعيد والاتهامات بـ"الخيانة" عندما يرى الظروف مؤاتية لذلك. وما شهده لبنان عشية وفي أثناء العدوان الاسرائيلي على غزة، ان عملياً في تظاهرات الدعم التي نظمت وعلى أرض الجنوب لجهة اخراج صواريخ من مخابئها وترك المسؤولية عن اخراجها معلقة في الهواء، أو سياسياً لجهة تبني "قمة الدوحة… بمن حضر" واثارة علامات استفهام حول "قمة الكويت" المكتملة، ليس سوى اشارة الى ما قد يكون في الذهن تحضيرا للفترة المقبلة من "التهدئة".

وفي موازاة ذلك، فالمحاولات الحثيثة لابقاء الدولة تدور حول نفسها بالحيلولة (تحت سيف الثلث المعطل) دون اقرار الموازنة واجراء التعيينات والتشكيلات، وعملياً منع العهد الجديد من انطلاقة الحكم المفترضة بعد أعوام من التجميد بالقوة، لا يمكن الا لساذج اعتبارها تتواءم مع "توافقات" الدوحة أو تالياً مع نظرية "المصالحات" العشائرية و"التهدئة" اللفظية التي رافقتها أو تمت في أعقابها.
وبدعة "المعارضة" من داخل الحكومة، وعملياً المعارضة لكل شيء كما يتأكد يوماً بعد يوم، هي أوضح دليل على ذلك.
هذا على الصعيد المحلي الضيق، أما على الصعيد الاقليمي الأوسع فلا تختلف الأمور كثيراً.

اذ ينظر "الحلفاء الاستراتيجيون" للأقلية، كما تسميهم هي نفسها، الى لبنان الغد من زاوية واحدة لا غير، وان تباينت رغباتهم تجاهه بين التفجير الكامل والتوتير الدائم: زاوية انتظار المبادرات المتوقعة من واشنطن بعد تسلم الرئيس الأميركي باراك أوباما مهماته في البيت الأبيض، ومن تل أبيب بعد الانتخابات النيابية في اسرائيل، ومن العواصم العربية الفاعلة بعد "التعقيدات" المستجدة في القضية الفلسطينية وما رافقها في قمتي الدوحة والكويت، أملاً في دخول "البازار" الدولي والاقليمي والعربي (ودائماً على حساب لبنان) من أبوابه الواسعة.

تجميع أوراق كما هي العادة؟!، لا شك في ذلك. وأوراق ساخنة، قد يكون بعض اللبنانيين في حاجة اليها لـ"سلطتهم" الحالية وانتخاباتهم المقبلة، أو يريدونها لحلفائهم؟!، لا شك في ذلك أيضاً.

ليس هدف هذه السطور تخويف الناس أو اشاعة مناخ غير مطمئن. هدفها فقط رسم صورة للواقع كما هو، بل وتجميع ما يبدو للوهلة الأولى أحداثاً ومواقف وعناصر لا يرتبط أحدها بالآخر، فيما هي في حقيقتها مجرد قطع في رقعة "بازل" واحدة. وذاك "الشيء" ما، الذي أشارت اليه بداية السطور، هو القطعة الأخيرة في الرقعة.
…أما الهدف الأبعد فهو أخذ الحيطة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل