فريق 8 آذار يواصل ما بدأه السوريون في زمن الوصاية:
محاولات تطويع قوى الأمن الداخلي مستمرة
خلال فترة الوصاية، سيطر السوريون على الأجهزة الأمنية اللبنانية كافة. ما فعله النظام السوري غير مستغرب، وهو ليس محل نفي من أحد. لكن المستغرب، أن يقوم حلفاء سوريا اللبنانيون، بمحاولة تطويع الأجهزة الأمنية اللبنانية لحساب السوريين بعد خروج جيشهم من لبنان، على شاكلة تسليم المعارض السوري نزار عبود إلى المخابرات السورية مؤخراً، بعملية قام بها احد الأجهزة الأمنية اللبنانية!.
أهمية "المعلومات"!
الواقع أن جماعة "شكراً سوريا" حققوا حضوراً ظاهراً وخفياً في عدد من الأجهزة الأمنية اللبنانية؛ في الجيش ومخابراته وأمن المطار، وفي الأمن العام، وفي أمن الدولة… وفي قوى الأمن الداخلي أيضاً. بعض هذا "الحضور" قديم، أي من أيام الوصاية، وبعضه مستحدث عبر حلفاء عهد الوصاية. غير أن الأهم بالنسبة إلى النظام الأمني السوري وحلفائه في لبنان هو "شعبة" المعلومات في قوى الأمن الداخلي، التي واكبت التحقيق الدولي بجريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم التي تلت. ويبدو أن هذا الجهاز على وجه التحديد ما زال عصياً عليهم، إذ لم تنفع محاولات تطويعه على الرغم من شراستها وتكرارها، كما لم تصل محاولات اختراقه إلى حدود عرقلة التحقيق الدولي أو اكتشاف عناصر القوة فيه. مع العلم أن هذا الجهاز، كان شأنه شأن كل الأجهزة الأمنية اللبنانية، واقعاً تحت السيطرة السورية القهرية منذ مباشرته عمله في العام 1993، حتى عندما حاول الرئيس الشهيد رفيق الحريري تطويره ليكون مصدراً موثوقاً لمعلومات الحكومة ورئيسها، بعدما أوغل الرئيس السابق إميل لحود في "سورنة" الأجهزة الأمنية اللبنانية، وحجب المعلومات عن الحريري.
بعد خروج الجيش السوري من لبنان، استلم اللواء أشرف ريفي قوى الأمن الداخلي خلفاً للواء علي الحاج، الذي أقيل من منصبه وأوقف لاحقاً للاشتباه به بجريمة اغتيال الرئيس الحريري. وضع ريفي نصب عينيه أهدافاً كثيرة، أهمها: تطوير قوى الأمن الداخلي، وتخليصها من رواسب الوصاية السورية، ومكافحة الإرهاب، ومواكبة التحقيق الدولي بصورة فاعلة. على هذا الأساس أشرف ريفي على عملية إعادة بناء فرع المعلومات وتحويله إلى شعبة، وقد أسند رئاسته إلى العقيد وسام الحسن في شهر شباط 2006(كان برتبة مقدّم حينها). ومنذ ذلك الحين بدأت حملة شعواء من حلفاء سوريا في لبنان على قوى الأمن الداخلي، وتحديداً على "شعبة" المعلومات، وعلى ريفي والحسن شخصياً، باعتبار قربهما من الحريري، وإعطائهما أولوية مطلقة للتحقيقات بجريمة اغتيال الحريري والجرائم التالية، بالتوازي مع مطالبة سورية أكيدة بإقالتهما، كشرط لحصول تنسيق أمني في مكافحة الإرهاب!.
الاستهداف السياسي والإعلامي
ترافق الاستهداف السياسي لقوى الأمن الداخلي مع التقدم في التحقيقات والإنجازات، غير أنه أخذ طابعاً أشد حدة بعد حرب تموز 2006، حيث اتهم بعضٌ من فريق 8 آذار قوى الأمن الداخلي بالتآمر على المقاومة، بالتزامن مع اتهام السيد حسن نصر الله جهازاً أمنياً رسمياً، لم يسمّه، بمحاولة معرفة مكان وجوده خلال الحرب. ورغم أن قيادة "حزب الله" أكدت لقوى الأمن الداخلي، حسب اللواء أشرف ريفي، أنه لم يكن مقصوداً في كلام السيد نصر الله، إلا أن الحملة استمرت. فقيل بعد ذلك إن قوى الأمن الداخلي انتقمت من "شعب المقاومة" في حادثة الرمل العالي في تشرين الأول 2006 خلافاً لواقع ومجريات الحادثة المؤسفة. وقيل إنها تواطأت مع "الإرهاب الإسلامي" ضد المقاومة، وأنها نقلت بعض عناصر "فتح ـ الإسلام" بسيارات عسكرية من عين الحلوة إلى نهر البارد، فأكدت الأحداث التي وقعت صبيحة 20 أيار 2007 في شارع المئتين في طرابلس زيف هذا التضليل الإعلامي. وقيل إن قوى الأمن الداخلي هي جيش السنة أو جيش تيار "المستقبل"، فجاء السابع من أيار 2008 ليؤكد كذب ذلك. وقيل إن العقيد وسام الحسن حرّف إفادة زهير الصديق، فتبين عدم صحة هذا الكلام من الصدّيق نفسه. وقيل مؤخراً إن "شعبة" المعلومات تسلم بيانات التنصت إلى سفارات أجنبية، فتبين أن الهدف من هذا الاتهام هو التغطية عن نقل البيانات التي طلبتها لجنة التحقيق الدولية سابقاً، إلى جهة "ما"، لتحليلها عبر أحد ضباط العهد السابق… وقيل غير ذلك أيضاً. فضلاً عن التشكيك المستمر، والمحاولات المتكررة لتخريب العلاقة بين "شعبة" المعلومات ومخابرات الجيش، الأمر الذي ترك تأثيراً سلبياً على عمل قوى الأمن الداخلي بشكل عام.
الاستهداف القانوني
ثمة لون آخر من الاستهداف تتعرض له قوى الأمن الداخلي و"شعبة" المعلومات، فللمرة الأولى في تاريخ هذه القوى يتطلب اتخاذ القرار في مجلس القيادة ثمانية أصوات من أصل أحد عشر صوتاً، وذلك اعتباراً من 6ـ 9ـ1990، حيث كان السوريون يريدون إعاقة أي قرار لا يحظى بموافقتهم. ورغم أن اللواء ريفي يطالب اليوم بمساواته بمعظم المؤسسات الأمنية والعسكرية الأخرى التي تتخذ قراراتها بالأغلبية، إلا أن فريق الثامن من آذار يعارض هذه الخطوة، لا لسبب منطقي وإنما لأسباب سياسية ذات صلة بموقفهم من القيادة الحالية لقوى الأمن الداخلي.
ثمة كلام كثير اليوم عن الوضع غير القانوني لـ"المعلومات"، لكن الواقع أن حجم الاغتيالات والتفجيرات الإرهابية، أملى في العام 2006 اتخاذ قرار تحويل الفرع إلى شعبة، ثم حال الرئيس السابق إميل لحود، والانقسام السياسي، وإقفال مجلس النواب لاحقاً، وفقدان الحكومة للشرعية بنظر فريق من اللبنانيين، دون إيجاد الغطاء القانوني لذلك. "الغيارى" على تطبيق القانون هم أنفسهم الذين حالوا بالأمس، ويحولون اليوم، دون شرعنة عمل "شعبة" المعلومات، بدعوى أنهم يريدون لهذا الجهاز، الذي تضخم وتطور في فترة ما بعد الوصاية، أن يعود إلى سابق عهده ويهتم بالأمن العسكري حصراً، مع أنهم أنفسهم يملأون الدنيا صراخاً بعد كل عملية إرهابية بدعوى التقصير الأمني!.
ولا يقف التناقض عند هذا الحد، بل وصل مؤخراً إلى حد الضغط على الأعضاء المسيحيين في مجلس القيادة (العمداء: جوزف الحجل، وسيمون حداد، وسمير قهوجي) ليصوّتوا ضد تطوير عمل جهاز المعلومات، وذلك خلافاً لموقفهم السابق، الأمر الذي يعيق إلى اليوم إجراء تشكيلات جديدة، ويُبقي على قرارات الفصل التي يسطرها المدير العام، ليتم بموجبها نقل ضباط من مديرية إلى أخرى.
وهكذا يستمر الجدل القانوني الأجوف، ما يسمح لحلفاء سوريا باستهداف قوى الأمن الداخلي و"المعلومات"، وليبرر العونيون الجدد وحلفاؤهم أعمال العرقلة وحجب البيانات، وليسدُر الذين في قلوبهم حقد فيما يقولون ويفترون، وليحرّض بعضهم على "المعلومات" تبعاً لخلفية سياسية معروفة!.
.. والاستهداف الجسدي أيضاً!.
استهداف قوى الأمن الداخلي لم يقتصر على ما سبق، بل تعدّاه إلى التصفية الجسدية، بقصد التعطيل والترهيب. ففي 5 أيلول 2006 نجا نائب رئيس "شعبة" المعلومات المقدم سمير شحادة، من محاولة اغتيال شمال صيدا، استهدفت موكبه وأدت الى أصابته بجروح متوسطة، واستشهاد أربعة من مرافقيه. شحادة كان شديد الصلة بملف اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري!.
وفي 25 كانون ثاني 2008 اغتيل النقيب وسام عيد، أثناء توجهه لمقابلة أحد ضباط لجنة التحقيق الدولية. عيد كان رئيس "المكتب الفني في مصلحة الاتصالات وشعبة المعلومات"، وهو من اكتشف أرقام الهواتف التي استعملت في عملية اغتيال الرئيس الحريري. وقد نجا قبل ذلك من محاولة اغتيال استهدفته في منزله على أطراف الضاحية الجنوبية. وتكشف المعلومات اليوم أن المكلفين بمراقبة عيد تجنّبوا بالحد الأقصى استعمال الهواتف مخافة أن يؤدي تعقّبها إلى اكتشاف أمرهم.
والأخطر راهناً، وجود معلومات منسوبة إلى مصادر أمنية، وإلى مصادر في وزارة الاتصالات نفسها، حول سعي حثيث لتحليل البيانات الهاتفية التي طلبتها لجنة التحقيق الدولية منذ العام 2005، لمعرفة هوية ضباط في "شعبة" المعلومات، أسهموا في متابعة الدور الذي لعبه المقدم شحادة والنقيب عيد، في كشف الجرائم، تمهيداً لمراقبتهم وتصفيتهم، فضلاً عن تعقّب أثر التحقيق الدولي، ومعرفة المشتبه بهم، والشهود المحتملين أيضاً!!.
يضاف إلى ذلك تقارير استخبارية، وردت إلى مخابرات الجيش، يبدو أنها ناتجة عن التنصت على مشبوهين، تفيد أن شخصاً من "فتح الإسلام"، يتحضّر لتفجير نفسه مستهدفاً نائباً شمالياً من كتلة "المستقبل" اسمه مصطفى، وأن قيادة الجيش طلبت من النائبين مصطفى علوش ومصطفى هاشم، كونهما من الشمال ويحملان الاسم نفسه، اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
إن سلسلة الاستهدافات المتواصلة لقوى الأمن الداخلي، ودرة تاجه "شعبة" المعلومات، تؤكد نتيجة واحدة؛ ثمة في لبنان من لا يريد للحقيقة أن تظهر. ثمة من يحاول حماية المجرمين على مسافة أيام من المحكمة الدولية، إذ يستحيل أن يكون من قبيل الصدفة، المطالبة السورية بإقالة ريفي والحسن، وكل هذا الاستهداف السياسي والإعلامي والقانوني من قبل جماعة "شكراً سوريا" لهما ولقوى الأمن الداخلي. ويستحيل أيضاً أن يكون الاستهداف الجسدي لكل من أسهم في تقدم التحقيق الدولي، ولقياديي 14 آذار، منفصلاً عن الجرائم السابقة وعما يجري حالياً في وزارة الاتصالات في العهد المشؤوم لجبران باسيل… ولأن الأمر كذلك، فإن المطلوب على المستوى الشعبي تجديد الاحتشاد المليوني من أجل الحقيقة في 14 شباط، ومطلوب على المستوى السياسي اتخاذ خطوات جدية لحماية قوى الأمن الداخلي، وإنهاء الجدل القانوني حول "شعبة" المعلومات، والسير إلى النهاية في تحقيق برلماني بموضوع التنصت، والوقوف بحزم أمام أية محاولة لإعادة سورنة الأجهزة الأمنية.