حزب الله يتامى أب لم يمت اسمه لبنان
جورج حوراني
ما يحتاجه حزب الله الان اكثر من اي وقت مضى ليس بالفعل عمليات انتقامية ثأرا لاغتيال قائده العسكري عماد مغنية اضافية للانتقام، أو حتى التمسك بسلاحه الفاقد للشرعية للدفاع عن حدود الوطن، بل بالأحرى الى عمليات شفاء داخلية. لعلهم يتامى أب لم يمت اسمه لبنان. اناس مجروحون ناقصو الأبوة الوطنية. والسؤال المؤلم في داخلي هل سامح حزب الله من تسبب لهم بجروحهم وآلامهم المتعاقبة عبر سنين طويلة في موروثهم الاجتماعي؟
الجواب كلا، لأنهم ببساطة في حالة غضب وخوف ولاتسامح مستمرة تجلت ليس منذ زمن ببعيد في أبشع صورها بخروج حزب الله وعنفه واجتياحه أهل بيروت والجبل.
لعلني وجدت تفسيرا "سوسيونفسيا" لتعنيف حزب الله اخوته في الوطن بعد زيارة قمت بها مؤخرا الى دار للايتام في مدينة ستوكهولم السويدية. تستطيع ان تشعر للوهلة الاولى بذاك الخوف المسيطر على المكان. ترتسم على وجوه بعض اللقطاء علامات الحقد والكراهية، وعادة ما يشعر الأولاد اليتامى أو الذين لا يعرفون ابيهم بالخوف والقلق المستمرين تترجم بافعال عنفية عدائية تنتقم من الذات قبل ان تصيب الاخر.
قد تكون من أصعب الرحلات التي يجب على حزب الله أن يجتازها وهو مدعو الى سير خطواتها هي رحلة العودة من العقيدة الخمينية الى حضن الأب الى البيت اللبناني الى قلب الوطن. من بين الاسئلة التي راحت تدور في مخيلتي ذاك المساء لماذا لا يقطن حزب الله في قلب المدينة النابض بدلا من الضاحية الجنوبية والاطراف؟ ولماذا لا يرتدي ربطة العنق ويتحدث اللغات الاجنبية؟ لماذا يتباهى جهارا في كل مناسبة بترسانته الحربية وبانتصارات المقاومة في الجنوب ويتمسك بسلاحه حتى العظم في الاستراتيجية الدفاعية؟…
أليس لشعورهم المتراكم منذ عقود بالتهميش الاجتماعي وبفقدان قيمتهم البنوية؟ أليس لترددهم العميق في ركب الحضارة وعدم ثقتهم في مجاراة التمدن والتحضر وموضة العصر ولعب الدور المناط بهم في بناء الوطن وازدهاره؟. في كل مرة يمجد حزب الله انتصاراته ويحتكر المقاومة الوطنية ويعرض ترسانته العسكرية يعكس شعورا" لديه بالنقص في هويته الوطنية.
من قال ان لبنان يطلب منهم افعال الشهادة كي يوفر لهم دفء شمسه وبحره وترابه. غالبا ما نسطيع أن نرصد في ضواحي المدن نموا قاسيا لأطفال يتامى غرباء لم يتكشفوا أو يعوا في وجدانهم أنهم أبناء هذا الوطن لبنان. الضاحية تخفي أنماطا مختلفة لأطفال كبار معنفين يعنفون آخرين، يتقاتلون كي يكسبوا قوتهم اليومي، يقاتلون أخوتهم في التراب والهواء، يعيشون خارج حضن البيت ودفئه.
تعالوا نتذكر معا ولادة حزب الله قبل أقل من 30 عاما تقريبا. هل تذكرون حرب الاشقاء بين الفصيل المنشق (الحزب) وحركة أمل. وقتها ذاق أهل الضاحية الجنوبية مسلسل القتل والدمار تحت عنوان الاقتتال بين الأخوة. تماما كنشأة اطفال الشوارع واليتامى أو أولائك الذين لم يكن لديهم اي صلة بأبيهم البيولوجي صراع دائم من اجل البقاء، لغة العنف والانتقام. لم يعد مهما ما فعله أو يفعله حزب الله، انما بالأحرى في الدوافع الحقيقية وراء خطابه السياسي والعسكري. بهذا المعنى يصلح القول ان حزب الله هم يتامى وضحايا خيارات خاطئة احيانا اتخذها بحقهم وبحق امثالهم من سبقنا في ما سمي في حقبة ما طبعت تاريخ هذا الأب الوطن الذي لم يتعب بعد. انها لحظة تغيير حقيقية في حياة الوطن عندما عندما يبدأ حزب الله رحلة العودة الى البيت اللبناني.