فرصة الايام العشرة انقضت ومعها الوعود بمعالجات استثنائية؟!
لم يظهر الى الان ان فرصة الايام العشرة التي اقترحت سابقاً لتسوية الخلاف على مالية مجلس الجنوب قد حققت شيئاً، لا سيما ان التباين قد زاد بمعدلات قياسية بين رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة ووزير المال محمد شطح من جهة، وبين رئيس مجلس النواب وفريقه في حركة «أمل» من جهة ثانية، حيث يستمر الاولان في رفض الانصياع لطلب الستين مليار ليرة، فيما لا يقل استمرار تمسك الفريق الثاني في رفض المبلغ المعروض وهو اقل من النصف (25 ملياراً)!
امام هذا الواقع، لم يقل احد ان الرئيس ميشال سليمان قد فشل في مساعيه لتقريب وجهات النظر. كما لم يقل احد ان «المسعى العربي لتوفير مساعدات غير مباشرة لمجلس الجنوب قد فشلت». غير ان ما له علاقة برئيس الجمهورية قد توقف عند «التعهد بتسوية منصفة»، وهذا ما ينطبق على تعهد المسعى العربي». وفي حال لا تزال الامور عالقة لن تكون حاجة الى ربط الموضوع بتعقيدات منع اقرار مشروع الموازنة العامة امام مجلس النواب (…)
والذين يعلقون اهمية على تمسك الرئيس بري بموقفه، هم مثل الذين يعلقون اهمية مماثلة على تمسك الرئيس السنيورة بموقفه، حتى وان كان هؤلاء على قناعة بأن الامور سائرة الى مزيد من التعقيد، حيث يعرف الجميع ان رئيس مجلس النواب قد يجد نفسه محرجاً سياسياً وشيعياً في حال نجاح رئيس الحكومة في كبح جماحه، ان لجهة التهديد بالاعظم، او لجهة التلويح بتجميد العمل الحكومي بصورة شمولية، حيث لا يختلف اثنان على ان وزراء حزب الله ومثلهم وزراء تكتل التغيير والاصلاح سيماشونه في اية خطوة يختارها؟
كذلك، فان الرئيس السنيورة يعرف مسبقاً ان تراجعه عما سبق واعلنه «يعني انكشاف قوى 14 اذار امام تهديدات المعارضة»، فضلاً عن ان قول رئيس الحكومة ان «مالية الدولة لا تسمح بمثل هكذا بهورة سياسية سيكون محل شك» في حال قبل بشرط الستين مليار ليرة (…)
وفي رأي اوساط رئيس المجلس ان «من الضروري العودة الى المراجعة السياسية» في حال كانت رغبة في عدم تطور الامور نحو الاسوأ، الامر الذي يستدعي «احياء الاتصالات بين عين التينة وقريطم»، بعدما اثبتت التجارب السابقة انه بقدر ما تحصل فرقة بين الرئيس بري وبين رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري، بقدر ما يحصل تباين على خط السراي وساحة النجمة.
كما دلت تجارب الماضي على ان من الصعب بل من المستحيل ان يقبل النائب الحريري باستفراد «رئيس الحكومة الاكثري» مهما اختلفت الاراء والمواقف، كي لا تصل الامور الى حد شعور الرئيس بري بأنه قادر على التحكم بلعبة الحكم. وهذا القول سبق لاكثر من وزير من قوى 14 اذار ان كرره في سياق دفاعه عن رئيس مجس الوزراء في مواجهة اي افتئات على دوره في السلطة وفي السياسة وفي قرار الدولة (…)
لذا، يبدو الرهان على توجيه ضربة سياسية موجعة الى الرئيس فؤاد السنيورة، في حال توافقت المعارضة على استخدام الثلث المعطل او منع اقرار مشروع قانون الموازنة، تصرفاً في غير محله وبلا نتيجة تذكر، بدليل وقوف رئيس الجمهورية بصلابة في وجه اي تصعيد محتمل من جانب قوى 8 آذار. وثمة من يجزم في هذا الصدد بان الرئيس سليمان عندما اقترح «فسحة سياسية»، كان يقصد افهام المعارضة ان «من الافضل التفاهم على مخرج دستوري – قانوني لمالية مجلس الجنوب»!
وطالما ان الامور سائرة باتجاه التصعيد وليس الحلحلة، لا بد وان تبقى الموازنة عالقة من غير ان يشكل ذلك مزيداً من التعقيد السياسي، حيث هناك اكثر من سابقة جرى اعتمادها «للصرف على القاعدة الاثني عشرية».
وهذا التصرف لا بد من اعتماده طال امد العقدة ام قصر، خصوصاً ان الرئيس بري يرى انه في حال غير نظرته الى موضوع مالية مجلس الجنوب، فان ذلك قد يشكل انتصاراً لمصلحة الرئيس السنيورة، وربما العكس بالعكس؟!
وفي عودة الى المساعي الخارجية التي تردد ان من ضمنها «تغطية بعض بنود موازنة العام 2009 لسد العجز في البعض الاخر»، هناك من يجزم بان من الخطأ الاعتقاد ان الدولة يمكن ان تنظر الى حاجات مجلس الجنوب بعكس نظرتها الى حاجات مجالس وصناديق اخرى خاضعة للمزاجية السياسية، فيما تؤكد اوساط مطلعة ان تقبل مطلب الرئيس بري سيفتح الباب امام تقبل مطالب اخرى مماثلة، لا سيما ان «ملف المهجرين عالق منذ سنوات».
كذلك فان ملفات المتضررين من الاحداث التي تعاقبت على البلد لم يلتفت احد اليها. فهل من يقبل بمعالجة معينة على حساب معالجات اخرى، الا اذا كان القصد سياسياً بامتياز؟!