#adsense

يا جنرال .. لك أقول

حجم الخط

يا جنرال .. لك أقول

بعد الاطلالات المتكررة للجنرال، والتي بسببها أصبحنا مدمنين على حبوب الأعصاب، كنت قد آليت على نفسي عدم الرد والانزلاق الى هذا الدرك المنحط من التخاطب مع الناس. أما وقد أصبح السكوت جريمة تفوق جرائم الجنرال أذية للتاريخ والأخلاق وحتى تشويها للشرف الذي بذل الشهداء أرواحهم في سبيله، قررت أن أذكّر الجنرال ببعض الحقائق التي اما نسيها بفعل التقدم في السن، واما يتناساها بحكم تموضعه الحالي في معسكر التضليل والتزوير والتخريب.

يا جنرال، كنت قد نعتني بعد عودتك من الشقيقة (شقيقتك أنت وحدك) بأني أحد هؤلاء الذين يدعون تمثيل أهالي شهداء اجتياح 13 تشرين، فلك يا جنرال أقول ان هذا الوصف الذي تعتبره أنت اهانة، هو شرف عظيم لي أكاد لا أستطيع تحمله. شرف لبسناه نحن مرصعا بدماء ابنائنا الطاهرة. شرف تركته أنت وراءك مع جنودك وضباطك وعائلتك حين سلمت مصيرهم الى السفاحين الذين عاثوا في الأرض خرابا ودمارا شاملا وقتلا وفررت خائبا لتحتمي بالسفارة الفرنسية ومن بعدها الى فرنسا من دون أن يرف لك جفن وحتى من دون النظر الى الوراء. هذا الشرف الذي أضحيت أنت بدونه بعدما تنكرت لتاريخك حين قفزت لتستقر في أحضان من قصفك ودمّرك وقتل من قتل من جنودك وشعب لبنانك العظيم ودك قصرك الجمهوري ووزارة دفاعك، الوزارة التي أقسمت يمين الدفاع عنها والموت في سبيلها.

نعم يا جنرال فأنا لا أمثل سوى ضميري الذي ينتفض مع كل اطلالة تضليل وتزوير تقوم بها.
يا جنرال، بعد هذا تعود لتتحفنا بطلب لم يكن ليخطر على بال أحد أو ما كان ليمر حتى في خيال مؤلفي القصص الخرافية، أعني بذلك طلبك الى اللبنانيين الاعتذار من السوريين على ما فعلوه بهم. بربك يا جنرال هل من انسان يتمتع بحد أدنى من الأخلاق والشرف والتاريخ والكرامة وو…. يستطيع مجرّد التفكير بمثل هذا الطلب؟ هل أصبحنا في زمن تعتذر فيه الضحية من قاتلها؟ هل علينا أن نعتذر من جلادنا؟ هل علينا ان نعتذر ممن نكّل بأبنائنا؟ هل تطلب من امهات الشهداء الاعتذار ممن قام بتصفية أبنائهن وأطفالهن في ربيع أعمارهم من دون رحمة وبلا أي تردد؟ هل تطلب من امهات المعتقلين في سجون العار والحقد والخوف والموت أن تعتذرن من معذبي اولادهن وأزواجهن وآبائهن؟ هل تطلب ممن سُرق مستقبله جراء اعاقة تسبب بها حلفاؤك المستجدون نتيجة حروبك الهستيرية ضدهم ان يعتذر ممن كانوا السبب في ما هم عليه؟ هل تطلب ممن يعانون يوميا من ارهاب شقيقتك وانتهاكها المنظم لحرماتهم أن يعتذروا من المنظمات الارهابية التي توردها لنا مخابرات هذه الشقيقة وبشكل دائم يكاد يكون يومياً؟ هل تطلب من شعب تمارس عليه كل وسائل الالغاء الاقتصادي والمالي والزراعي والصناعي وحتى الجسدي، أن يعتذر منهم لأنه لم يلغ نفسه بنفسه خدمة لهم وتوفيرا لوقتهم؟ هل تطلب من شعب حي أن ينسى كل ما فعله به حلفاؤك هؤلاء ويعتذر منهم لمجرد انك سبقتهم زاحفا الى ذلك؟ وهل صدقت من طوّبوك قديسا في بلادهم لغاية في نفسهم أنك فعلا كذلك؟ هل نسيت فعلا من انت؟.

يا جنرال، لك اقول لا وألف لا، فنحن شعب حي دفعنا الغالي والنفيس لنحافظ على الرصيد الوحيد الذي نملكه وهو شرفنا، هذا الرصيد الذي أنت مفلس منه. لك أقول اننا لن نعتذر بل سنحاكم. لك اقول اننا لن نشوه او نمحو التاريخ كما فعلت ولا تزال بل سنعيد كتابته بأحرف من ذهب واذا اضطررنا بأحرف من دم. لك أقول اننا لن نخذل أمهاتنا اللواتي قضين حسرة وبكاء على ابنائهن كما خذلتهن ولا تزال. لك أقول اننا لن نتخلى عمن يعانون عنا وبسببك في أقبية العار والحقد والألم والموت كما تفعل أنت، بل سنعيدهم الي ذويهم علك ترى بهم عريك فتستحي وتخجل.

أما خاتمة أحقادك (حتى الآن) فكانت مطالبتك باحالة بعض السياسيين الى القضاء بسبب مواقفهم الشريفة تجاه شقيقتك، بربك – ان كان لك رب – ألا تخجل من نفسك؟ هل تسمع أذناك ما يخرج من فمك؟ هل لديك في بيتك جهاز تلفزيون تشاهد فيه مساء ما تفعله أو تقوله خلال النهار؟ هل تملك أي تسجيل أو أي ذاكرة عن ماضيك؟ بالتأكيد لا. لذلك يا جنرال لك أقول: ان كان من أساء الى شقيقتك بنظرك يستحق المحاكمة على مواقفه بحجة أن سوريا خرجت من لبنان، فهي لم تخرج بل أعادت تموضعها نظرا الى الظروف الاقليمية والدولية واللبنانية الشعبية التي أجبرتها على سحب قواتها العسكرية الخائبة من لبنان وذلك قطعا لا يعني أنها أصبحت خارج لبنان. ألم تسمع قادتها وحلفاءها ـ حلفاءك حين تباهوا بأنها اليوم أقوى في لبنان مما كانت عليه سابقا، أم أنك تدير أذنك الطرشاء لمثل هذه الأقوال؟؟ هذا من ناحية وجودها أو عدمه عندنا.

أما عن المحاكمة بسبب المواقف فلك أقول ان أول ما يجب القيام به هو تعليق المشنقة لك لأنك لم تأخذ موقفاً مسيئاً تجاهها فحسب بل أعلنت حربا عليها وقتلت عناصر جيشها ودمرت آلياتها وهددت بقتل زعمائها وبتكسير رأس رئيسها … هل نسيت كل تلك المواقف تجاهها والعبارات اللاأخلاقية التي استعملتها في خطاباتك ضدها والتي تستعملها اليوم ضدنا؟ هل نسيت وصفك لها بالدولة الأولى الراعية للارهاب؟ هل نسيت مطالبتك لها امام المجتمع الدولي بالكف عن التدخل في شؤوننا والا…؟ هل نسيت انبطاحك أمام كونغرس حليفتك السابقة وعدوتك الحالية لاستصدار قرار بمحاكمة عدوتك السابقة شقيقتك وحليفتك الحالية؟ هل نسيت استشهاد ابنائنا الذين قتلتهم أنت بقرارات حروبك المجنونة على من أصبحت تستميت في الدفاع عنها؟ والسبحة تكر وتكر ولو أردنا أن نسرد ما اقترفته يداك ولا تزال حتى الآن فلن ننتهي لأنك مع كل صباح تأتينا بجديد. "ما بقى نلحق عليك".

ان أنت نسيت فنحن لم ولن ننسى، وان كان هناك من مواقف يجب أن يحاسب أحد عليها فلنبدأ بك، وان كنت ستحيل أحدا على المحاكم فأنت أولهم. أحكامنا كشعب حر صدرت تجاهك، ليس حقدا منا انما كرمى للتاريخ، هذا التاريخ الذي تظنه نسيك هو سيحاكمك، فهو يمهل ولا يهمل، يغض الطرف أحيانا لكنه لا ينسى.

هددتنا بأنك ستقطع أيدينا وألسنتنا وستدوسنا… والى ما هنالك من عبارات تزيّن طلتك البهية علينا، عبارات وتهديدات لم نتعود سماعها الا من حليفك الالهي، فكنت بذلك التلميذ الذي يتفوق على معلمه، لكن مهلا مهلا، فلك يا جنرال أقول لسنا نحن من نهاب هذا الكلام، وليت ذاكرتك تسعفك هذه المرة فتعرف عن ماذا أتكلم. ولك أقول ان تهديداتك هذه لن ترعبنا ولن تزيدنا الا عزما على المضي قدما في التصدي لك، وقوة في الوقوف بوجهك، وعزما وتصميما على محاسبتك.

وأخيرا (حتى الآن) وليس آخرا… حبا بلبنان الذي أنكرته، واكراما لشعب لبنان العظيم الذي غدرت به، ورأفة بأرواح شهدائنا الذين نسيتهم، واخلاصا لأبنائنا المعذبين في ضيافة شقيقتك… لك اقول ان أبواب جحيمك لن تقوى علينا.

عساف أبو نقول (عائلة شهيد قتله الجيش السوري في 13 تشرين الاول 1990)

المصدر:
موقع تيار المستقبل

خبر عاجل