لم يقفوا على الحياد مدى قرون عندما كانت الأخطار تتهدّد الوطن
البطاركة الموارنة أعطوا مجد لبنان لأنهم حماة كيانه
مرّة أخرى يعترض سياسيون من قوى 8 آذار ويعترض متحالفون معهم، لا سيما العماد عون، وكعادته، لمواقف البطريرك الكاردينال صفير الوطنية، وهي مواقف لم يتردد في اتخاذها، لا هو ولا اسلافه العظام، عندما يكون لبنان عند مفترق تاريخي، لذا اعطي لهم مجد لبنان، فبات من واجبهم ان يحافظوا على هذا المجد ويحموه بقوة ايمانهم وبسلاح الموقف وليس كسواهم من رجال الدين بموقف السلاح… من دون ان يكونوا مع فريق بل مع مصلحة لبنان فقط.
ولا بد من تذكير المعترضين او المنتقدين مرة اخرى بمواقف بكركي عبر التاريخ لعلهم يجهلونها او يتجاهلونها، وهي مواقف لم تكن حيادية ولا متفرجة عندما يكون مصير لبنان في كفة الميزان، اذ لا حياد بين الخير والشر، ولا بين الحق والباطل، ولا بين الاستقلال والتبعية، ولا بين السيادة والاستبداد، ولا بين الحرية والعبودية.
لذلك كان للبطاركة الموارنة مواقف واضحة وصريحة لا بل جريئة في زمن العثمانيين، وفي زمن الانتداب وفي زمن الوصاية، فكانت لهم مواقف من استقلال لبنان عام 1943 ومن جلاء الجيوش الاجنبية عن ارضه بما فيها جيش فرنسا (رغم انه جيش الأم الحنون) ومن العلاقات مع سوريا عندما فرضت القطيعة على لبنان بقصد تجويع شعبه ومن اعلان لبنان الكبير عام 1920 بعدما تبين ان لبنان الصغير هو لبنان الفقر والهجرة. ومن انضمام لبنان الى جامعة الدول العربية فاشترطوا ان تتخذ القرارات الملزمة بالاجماع، ومن انتخابات 25 أيار عام 1947 المزورة، ومن التجديد للرئيس بشارة الخوري، ومن حلف بغداد، ومن "المد الناصري" عندما بدا أنه يهدد لبنان بوجوده وكيانه وقد يذيبه في كيانات دول أخرى، ومن تدخل السلطة المكشوف في الانتخابات بحيث أدى هذا التدخل الى اسقاط زعماء بارزين أمثال صائب سلام وأحمد الأسعد وكمال جنبلاط، طمعاً بالتجديد لرئيس الجمهورية، وهي مواقف اتخذت لمصلحة لبنان وليس انحيازاً لأي فريق.
وكان لبكركي ايضاً موقف من الانتخابات النيابية التي واجه فيها مرشحو "الحلف الثلاثي" مرشحي "النهج" المتهمين بالتحالف مع "التيار الناصري" فكان للناخبين من الكهنة والراهبات والرهبان وما كان يسمى بـ"الجيش الأسود" دور مهم في تحقيق فوز كاسح لمرشحي ذاك الحلف… وكان لبكركي موقف من الوجود الفلسطيني المسلح، ومن الحروب الداخلية، ومن اتفاق القاهرة، ومن اتفاق الطائف وتحملت في كل هذه المواقف مسؤولية اتخاذها بضمير مرتاح. وكان لها موقف صريح ومعلن من انتخابات 1992 كونها جرت على أساس قانون غير عادل وغير متوازن ومخالف لاتفاق الطائف، فكانت مقاطعة الناخبين الواسعة لتلك الانتخابات بحيث فاز فيها نواب بـ135 وبـ45 صوتاً… ورغم ذلك لم يعتبر المجلس النيابي المنبثق منها مجلس غير شرعي…
ووقفت بكركي بجرأة وعناد ضد بقاء القوات السورية في لبنان خلافاً لما نص عليه اتفاق الطائف، واطلقت اول نداء شهير لها بالدعوة الى انسحاب هذه القوات كي يستعيد لبنان سيادته الكاملة على ارضه وقراره الوطني الحر، ووقفت ضد التمديد للرئيس الهراوي ليس انتقاصاً من شخصه انما تمسكاً بنص الدستور، كما وقفت ضد التمديد للرئيس اميل لحود للسبب نفسه، وتوالت في عهده مواقف بكركي الصارمة والحازمة فدعته غير مرة الى الاستقالة، وكانت مع ارسال الجيش اللبناني الى الجنوب ليساعد القوة الدولية على حفظ الأمن في المنطقة، وكانت مع تحرير ما تبقى من الاراضي اللبنانية التي تحتلها اسرائيل بالوسائل السلمية، وليس بقوة السلاح لأنها دون قوة سلاح اسرائيل وهو ما ظهر جلياً في العمليات العسكرية التي كانت تنطلق من الجنوب فدفع لبنان ثمن ذلك اجتياحات اسرائيلية بلغ احدها العاصمة بيروت وكان من نتائجها تشريد الجنوبيين وتهجيرهم وتدمير منازلهم وتخريب ارزاقهم. وكانت بكركي ضد اسقاط الحكومات في الشارع بل داخل المؤسسات عملاً بالنظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي، وكانت ضد الاعتصام في وسط بيروت بعدما طال وبلغ حد إلحاق الخسائر الفادحة بالمؤسسات السياحية والمطاعم والملاهي والمتاجر، وكانت ضد اسقاط الرئيس لحود رغم موقفها السلبي منه تحت ضغط الشارع بل بقوة الدستور والقانون مع ان وجوده في سدة الحكم بعد التمديد له بالإكراه، بات وجوداً غير شرعي، وكانت ايضاً ضد انتخاب رئيس للجمهورية بصوت زائد واحد وأصرت على ان يتم انتخابه بأكثرية الثلثين كي يكون رئيس لأكثرية اللبنانيين وليس رئيس فئة، مهما اختلفت التفسيرات الدستورية، فهل كانت بمواقفها هذه مع 8 آذار ضد 14 آذار او مع فريق ضد آخر؟!
ودعت بكركي الى تنفيذ القرار 1701 تنفيذاً دقيقاً كاملاً لأن تنفيذه هو السبيل الوحيد الى قيام الدولة القوية القادرة وقيام جيش وطني لا سلاح الا سلاحه ولا قوة غير قوته ولا حماية للوطن والذود عن حياضه الا به وبدعم من كل الشعب، بعدما كانت قد دعت مراراً وتكراراً الى تنفيذ القرار 1559 وهو قرار، لو صار تنفيذه كاملاً، لما كانت الحاجة الى صدور قرارات اخرى لا سيما القرار 1701.
وأيدت بكركي اجراء تحقيق دولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وتشكيل محكمة ذات طابع دولي لكشف الحقيقة ولوضع حد لمسلسل الاغتيالات في لبنان كما ايدت "ثورة الأرز" و"انتفاضة الاستقلال" لأنها انهت حكم الوصاية السورية على لبنان وحملت القوات السورية على الانسحاب من كل اراضيه. فهل في هذه المواقف انحياز الا للبنان؟
والسؤال المطروح الآن هو: لماذا قال البطريرك صفير في حديث صحافي رداً على سؤال عما يمكن ان يحصل في لبنان اذا انتقلت الغالبية النيابية الى قوى 8 آذار: "على الجميع ان يتحملوا مسؤولياتهم وهناك بعض الاخطاء ربما تكون لها عواقبها الوخيمة. فاذا انتقل الوزن الى 8 آذار و14 آذار لم يعد لها وزن، فان هناك اخطاراً سيكون لها وزنها التاريخي على المصير الوطني" وأوضح ان من "أبرز ايجابيات "الكتلة الوسطية" ان موقفها يميّل كفة البلد في هذا الاتجاه او في ذاك، وليس جديداً ان يكون لرئيس الجمهورية مجموعة من النواب يستطيع الاتكال عليهم والسير معاً". واللافت في حديث سيد بكركي قوله ان "هناك اناساً عندهم مطامع يريدون ازاحة رئيس الجمهورية ليحلوا محله"… وقد يكون هذا ما اثار غضب العماد عون الذي اعتبر نفسه هو المعني بذلك.
ويقول قريبون من بكركي ان لا حياد عندما تتهدد الاخطار لبنان بكيانه ووجوده وهويته ونظامه، فكما وقفت في الماضي مع الحق ضد الباطل في المحطات التاريخية والمصيرية، ولم تخف مواقفها، وصار تعدادها آنفاً، فانها لن تخفي مواقفها هذه المرة، وكل مرة، يكون لبنان في خطر، ومن يقف ضد ارادة بكركي الوطنية الحرة، فانه لا يرتكب خطأ بل خطيئة مميتة، لأن بكركي اثبتت عبر التاريخ وعلى مدى قرون انها حارسة كيان لبنان ومؤتمنة على الوزنات الخمس ولا مصلحة لها سوى مصلحة لبنان.
ان بكركي تعلم علم اليقين ان فوز قوى 8 آذار والمتحالفين معها بأكثرية المقاعد في الانتخابات النيابية المقبلة، هو فوز للنظام الشمولي في لبنان بدل النظام الديموقراطي ولحكم الحزب الواحد بدل حكم الأكثرية ولانتخابات تسمى "ديموقراطية" ولكن لا مكان لها لمرشحين الا لمن ترضى عنهم السلطة الحاكمة، ولا حرية اعلامية الا لأعلام السلطة، وهذا ما يجعل الانتخابات النيابية المقبلة يصح فيها القول انها انتخابات مصيرية ومفصلية للبنان، فاما تغير نتائجها وجهه ولونه اذا جاءت لمصلحة قوى 8 آذار والمتحالفين معها واما ان تبيض وجهه وتحافظ على لونه اذا جاءت لمصلحة قوى 14 آذار والمتحالفين معها.
