#adsense

ال 14 شباط.. رغماً عن غربان الخراب

حجم الخط

14 شباط.. رغماً عن غربان الخراب 

"..أدعوكم الى الوفاء ثم الوفاء ثم الوفاء".
الرئيس الشهيد رفيق الحريري
الجامعة الأميركية في 13/7/1992

بعد غدٍ ذكرى مرور أربع سنوات على ظهيرة 14 شباط 2005 الحزينة.
التاريخ الذي لم يمض، وما ينبغي له أن يفعل، لأنه اختزل تواريخ ومحطات لا تُنسى، وفرض تحولات وتحديات لا تُستنفد.

14 شباط ليس محطة للذكرى فحسب. هو بدايةً، لحظة تحول تاريخي في لبنان انبنى على غضبة ما بعد الاغتيال /الجريمة رفضاً لتمادي الغدر والتسلط، قادت الى إخراج الجيش السوري وانهاء الوصاية السورية على هذا البلد، وهو إلى ذلك، لحظة تحقق مصالحة وطنية كبرى بعد الانتهاء "النظري" للحرب الأهلية، وهو أيضاً، خاتمة لمرحلة "سابقة" وفاتحة لتحولات تأسيسية أخرى على صعيد الاجتماع اللبناني المنطلق بحزن وغضب واصرار نحو إعادة تأسيس كيانه المستقل وبناء دولته المهزوزة، وهو قبل ذلك وبعده، لحظة تفاوتت تعبيرات الطوائف (كما استنكاف بعضها) عما اختزنته من تحولات، لكنها قادتهم جميعاً الى السعي المشترك الى مدّ الحركة الاستقلالية كلٌّ بحسب طاقته، فيما الانتظار مستمر لمن هو خارج سياق هذه الحركة للحاق بها والبناء على أرضية واحدة.

بهذا المعنى، وقبل الحديث عن ضرورة الابقاء على هذه الدينامية مستمرة في النفوس والعقول والقلوب، يمكن القول ان يوم 14 شباط 2005، بكل أبعاده ودلالاته شكّل لحظة تأسيس مشترك للبنان الغد. وفي إحياء هذا اليوم استمرار للثورة التي أطلقتها الجريمة الارهابية بكل قيمها ومبادئها وأفكارها.

قبل أربع سنوات كاملةً، كان لرفيق الحريري ان يستشهد: الكارثة، الزلزال، التراجيديا الكبرى، لكن كان ايضاً لرفيق الحريري، في استشهاده، ان يعبيء الفضاء والأمكنة والناس للخروج من حالات "الانتظار" والذهاب الى الحرية والتحرر، لتثبيت الاستقلال الوطني المستعاد. وكأن "البوصلة" التي طلعت من دمه المسفوك، اشارت الى القابعين في الخوف والذل والحذر الى ان يهبوا ويصنعوا مصيرهم بأنفسهم، ويتمردوا على "القدر" المفروض عليهم، وينتفضوا على الوصايات وأسلحة الرعب والتخويف والترويع والقمع والارهاب والانضمام الى الوطن، كل الوطن، كفضاء موحد، ومكان لا بديل منه، للتحرر من كل ما يكبل ارادته.

يوم تشظى جسد الشهيد رفيق الحريري، بفعل جريمة إرهابية كانت في حجم وطن، ليست في حجم وجوده المادي فحسب وإنما في حجم تطلعاته والأحلام أيضاً، كان ما لم يتوقعه القتلة: سقط جسد فنهض وطن، وكان أن نزل اللبنانيون وملأوا الساحات في قلب بيروت، فاكشتفوا، في سعيهم الى معرفة "الحقيقة":

ان رجل الإعمار كان رجل دولة، ورجل قضية وطنية، ورجلاً نباهي به الأمم.. أمس واليوم وغداً.
وإكتشفوا، في أنفسهم وفي الآفاق، أن مشروع رفيق الحريري، لم يكن لترميم ما تهدم من بناء واقتصاد فحسب، بل كان في جوهره ومراميه البعيدة لترميم الذات اللبنانية.

واكتشفوا أن مفاعيل الترميم الوطني والمعنوي قد تغلغلت الى عمق أعماقهم، رغماً عن غربان الخراب وأبواق الفتنة وأصوات الشؤم.
واكتشفوا أن رجل الحسابات السياسية والإنمائية الدقيقة كان، قبل ذلك وبعده، رجل الاعتبارات الأخلاقية الثابتة، الممتدة من العائلة الصغرى (الأسرة) الى العائلة الكبرى (الوطن).

واكتشفوا ان رفيق الحريري كان الرفيق الأكبر بلبنانهم، إن تجرد الطغاة العتاة، حرّاس التخلف، عن أي رفق بالناس.
لذلك فثمة ضرورة وطنية للتذكير، وقد جردت ألسنة السوء للقدح والتطاول بما يتجاوز المسّ بقدسية الشهادة الى المسّ بكرامة جماعات وطنية متنوعة ينتمي اليها شهداء الاستقلال الثاني، أن يعاد التذكير بأن الرئيس الشهيد كان في حياته، رجل السلم الأهلي والوفاق الوطني والطائف، وقبل كل ذلك، كان جسراً للتفاهم بين القوى الاساسية في المجتمع السياسي اللبناني، وهو الذي ظل على مدى أكثر من عقد من الزمن، ملء السمع وملء البصر في حركته الدائبة، وحضوره السياسي والوطني المباشر وغير المباشر، عاملاً على انهاء الفتنة المدمرة التي عصفت بلبنان وعلى إعادة إعماره وتطوير اقتصاده وبناء الدولة فيه.

وأنه هو ..هو.. رفيق الحريري، إذ حلم بالنهوض بالوطن، وتعزيز موقعه، وتمكينه من الانخراط في حاضر العالم وحركة العصر، لم ير كثيرون من الصغار ان لبنان كبر معه في حضوره الخارجي والدولي وممارسته للديبلوماسية المباشرة مع أطراف العالم الرئيسيين، ولأجل ذلك عندما غاب بدا الفراغ كبيراً جداً الى الحد الذي لم يعد يظهر فيه هؤلاء فإذا بهم يستعيضون بالشتم والتطاول والذم …ولو بحق شهيد.

ليس مبالغة ان رفيق الحريري باستشهاده وحّد اللبنانيين، مسقطاً تلك النظرية/المراهنة على استحالة ان يجتمعوا على أمر، يوم خرجت بيروت المفجوعة ومعها كل لبنان، في حشد مهيب يحمل الف دلالة ودلالة، لوداع باني وطنهم الحديث.. وفي عودتهم المتكررة في كل عام الى حضرة الشهيد إعلان براءة من كل ما يناقض مسلمات الاجتماع الوطني الذي استشهد لأجله ورفاقه الأبرار.

لماذا التذكر؟

هو، أولاً، للتأكيد على المطالبة بالحقيقة والعدالة، وقد أزف موعد بدء عمل المحكمة الدولية، اذ في كشفها إنصاف للوطن والمواطنين، وفتح باب استعادة شروط العيش شبه الطبيعي في لبنان.

وهو ثانياً، للتأكيد على التمسك بالمشروع والرؤية للشهيد الكبير، والتشديد على الزعامة والقيادة للوريث، تحت عناوين التمسك بالطائف وحماية الاعتدال وصون الوحدة الوطنية والايمان بلبنان الدولة ولبنان النظام واعتماد الوسائل الديموقراطية للاصلاح والتنمية والتفاعل مع العالم والمحيط.

وهو، ثالثاً، للتشديد على عدم التنازل أو التزحزح عن الخط السيادي الاستقلالي الذي تريده غالبية اللبنانيين بما لا يمكن أي طرف داخلي أو خارجي خطفه من قناعاتهم أو تزوير الحقائق التي أرستها دماء الشهداء الذين سقطوا منذ جريمة 14 شباط الارهابية.

وهو، رابعاً، لإعلان موقف واضح بأن الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني، وبالرغم من الأكلاف الباهظة جراء الاغتيالات ومحاولات الترهيب والتهديد والوعيد، متمسكة باستقلال لبنان، ومصممة على استكمال بناء دولته، ومصرّة على مقاومة العنف ومساعي تغيير وجه لبنان الحضاري والتعددي.

قيل الكثير وسيقال المزيد عن رفيق الحريري، الرئيس والشهيد، عن الرجل الذي امتلأت به البلاد حياً، وامتلأت به أكثر شهيداً، وهي في الحالتين تحمل بعضاً من ملامحه. لذلك عندما نتذكره ونحتفي به، إنما نحتفي بشخص كبير، وشخصية نادرة، يشهد له خالقه الذي أعطاه بسطة في العلم والحلم والقدرة، ويشهد له الناس الذين أحبهم وعمل لهم منذ زمن الفتوة وإلى همة الشباب وحكمة الكهولة.

في 14 شباط، يعود المحبون الى ساحة الحرية في قلب بيروت الى حضرة الشهيد الكبير، للوفاء والتذكر والإصرار، وليؤكدوا موقفهم في الحفاظ على روح الانتفاضة التي أطلقتها دماء الشهداء، ولسان حالهم يقول هذه قوتنا ..لكننا لا نريد التصادم والتباعد بل الوصل والوحدة والعمل المشترك، والانتصار للوطن والدولة والمؤسسات.

أما هو، ذلك العصيّ على الزوال، فباق في القلوب والنفوس، في الأرض ومدنها والقرى، في الهضاب والأرياف، في نسمة الصيف وضوء القمر وأريج العوسج، كنهر الحياة الدافق بالحضور والسنى.. وما لأحد أن يغير مجراه..
"فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض"صدق الله العظيم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل