الانتخابات الإسرائيلية في أول قراءة لبنانية
ائتلاف متطرفين في وقت يتجه العالم بأسره نحو السلام
على الرغم من أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ما زالت الى الآن معلقة بانتظار إعلان النتائج الرسمية، إلا أن ثابتاً واحداً يمكن استخلاصه من اقتراع الإسرائيليين، وهو تكريس مزيد من التطرف الإسرائيلي، على حساب محور لا يمكن تسميته معتدل، ولكن على الأقل هو أقل تطرفاً من ناحية الانفتاح على الحوار وصولاً للسلام في المنطقة.
وعلى عكس ما كان متوقعاً، استطاعت زعيمة "كاديما" تسيبي ليفني أن تتفوق على منافسها المباشر بنيامين نتنياهو، زعيم "الليكود"، ولكن هذا الفوز الهزيل الذي أتى بفارق مقعد واحد، لا يبنى عليه ولا يستطيع تكريس ليفني لقيادة المرحلة المقبلة وترؤس الحكومة القادمة، إذ أن الأحزاب اليمينية المتطرفة، هي التي حصلت على الأكثرية داخل الكنيست، وهذا ما جعل ليفني خلال إعلان فوزها أن تلمح الى إمكان قيام حكومة وحدة وطنية، محاولة قطع الطريق بطريقة ديبلوماسية أمام وصول خصمها نتنياهو الذي تشير المعلومات الى إمكان حصوله على أكثر من 61 صوت في حال قرر الترشح، وهي النسبة التي تخوله تشكيل الحكومة المقبلة.
ولكن الطارئ في هذه الانتخابات، هو دخول افيغدور ليبرمان، زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"، بقوة الى الساحة الإسرائيلية، وما يؤمن له هذه الفعالية غير المسبوقة، تقارب النتائج بين "الليكود" و"كاديما" والانكسار الذي تعرض له حزب "العمل"، وإن كان ليبرمان قد سارع بعد حصوله على 15 مقعداً في الكنيست الى الإعلان أمام أنصاره أنه منفتح على التحالف مع ليفني أو نتنياهو، إلا أن الحزب المعروف بالتطرف وبمواقفه العنصرية ضد الفلسطينيين سيتجه بطبيعة الحال الى دعم الأكثر ميولاً للمقاطعة واستخدام العنف في التعامل مع الملف الفلسطيني، على الرغم من "الرغبة القلبية" التي عبر عنها ليبرمان أول من أمس في قيام حكومة "قومية" في إسرائيل.
أما الأكثر حرجاً نتيجة العملية الانتخابية وما أسفرت عنها من نتائج، فهو الرئيس شيمون بيريز، الذي يميل الى تسمية ليفني لتشكيل الحكومة على اعتبار أنها أقل تطرفاً من غيرها، وهو الذي يدّعي الحرص على السلام لإسرائيل، وبالتالي للمنطقة، كون المشاكل التي نعاني منها نحن هي نتيجة الاحتلال الإسرائيلي لا أكثر ولا أقل.
ولكن على ما يبدو الى الآن، فإن الاتجاه هو لايجاد معادلة وسطية بين من هو متطرف ومن هو أقل تطرفاً وذلك عبر حكومة تجمع كل الأحزاب الممثلة في الكنيست، أي حكومة وحدة وطنية، تقودها ليفني أو نتنياهو، أو من يتفق عليه هذان الاثنان.
واللافت أيضاً وأيضاً في نتائج هذه الانتخابات، أنها كرست المزيد من التطرف الإسرائيلي والانعزال، في وقت يتجه العالم الى السلام وبخاصة في الشرق الأوسط، وبالتحديد مع وصول الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما الى البيت الأبيض مدعوماً بشكل كبير من يهود أميركا، ومجموعة العوامل هذه، المبنية على الكثير من التناقضات التي يعكسها الداخل الإسرائيلي وحده، تطرح العديد من علامات الاستفهام، فتحت أي صيغة ستكون الحكومة الإسرائيلية المقبلة؟ هل ستكون استمراراً لسابقتها، أم أن تجربة الأخيرة ستدفع الى سياسة مغايرة؟ وهل هذه السياسة الجديدة، إذا حصلت، ستكون أقل عنفاً، علماً أن الفرز أتى بمتطرفين لا يهوون لا السلم ولا السلام؟ وإن حصل واتفق الأطراف على حكومة "قومية"، فمن سيرأسها؟
وإن كان أغلب الظن يوحي بحكومة "وحدة"، فهل سيكون ليبرمان هو مفتاح هذه الحكومة، أي هل سيكون زعيم الحزب الأكثر تطرفاً هو الذي يحمل بدعة "الثلث المعطل" داخل الحكومة المقبلة؟ ونهاية، لماذا الاتجاه الى مزيد من العزلة والذهاب عكس الرياح الغربية في هذا الإطار، وحتى عكس أهواء يهود أميركا، الذين دعموا مسيرة أوباما السلمية، فهل يعول الداخل الإسرائيلي على هذا المناخ، ليذهب باتجاه العزلة والعدائية؟ ولماذا؟
بنظر النائب سمير فرنجية، فإن نتائج الانتخابات هذه تشكل تعبيراً عن أزمة داخل المجتمع الإسرائيلي الذي أصبح مجتمعاً مغلقاً محكوماً بعقدة الأقليات في مراحل الأزمة، إضافة الى انكماش غريب على الذات ورفض التواصل مع الجميع.
هذه العزلة التي أرادها المجتمع الإسرائيلي، غريبة بعض الشيء كما يقول فرنجية، "في وقت يتجه العالم بأسره نحو السلام للمنطقة وهذا ما تكرس في لقاء نيويورك منذ فترة"، ويؤكد بأن العلاج لهذه الظاهرة لا يمكن أن يأتي في الداخل، والرهان سيكون على يهود أميركا لدفع هذا المجتمع باتجاه السلام وإنهاء الصراع بين الداخل الإسرائيلي وخصومه، لا سيما وأن يهود أميركا، كانوا أشد الداعمين لوصول أوباما لرئاسة الولايات المتحدة".
فرنجية يرى أنه "لأول مرة يكون هناك هذا البعد في التوجه بين إسرائيل والعالم، فكل الدول تتجه للسلام بينما إسرائيل تذهب في اتجاه آخر"، ولكن مع هذا التوجه الذي هو خارج الزمن الحالي، فإن الضغط الأميركي سيلعب دوره، وسيمارس سطوته على القيادات الإسرائيلية لعقلنة موقفهم، الذي يعاني أزمة فعلية منذ اغتيال الساعي الأول للسلام في المجتمع الإسرائيلي، الرئيس السابق اسحاق رابين، بحسب ما يقول فرنجية، الذي يرى أيضاً "إمكانية أن تكون هناك تجربة "الثلث المعطل"، كما حصل في لبنان، لاعتبارات داخلية تعبر عن حقيقة التوجهات المقبلة".
وإذا كان ليبرمان هو الداعم الأول لحكومة وحدة، وبالتالي الطموح الى الإمساك بما يسمى "الثلث المعطل"، فهذا وبحسب ما يقول فرنجية سيدفع الأخير الى المطالبة بالثلث المعطل لإمساك القرار على اعتبار أنه الأكثرية الفعلية داخل المجتمع الإسرائيلي كما يدعي رئيس "إسرائيل بيتنا".