"انتفاضة الاستقلال" حقّقت أهدافها و"ثورة الأرز" تتجدّد بمشروع لحماية اللبنانيين
الحضور إلى ساحة الحريّة ضرورة "أمنيّة" لكل فرد في 14 آذار
نجحت "إنتفاضة الإستقلال" في تحقيق الأهداف التي صاغتها ما بين 14 شباط و14 آذار 2005.
فالجيش السوريّ انسحب بسرعة قياسيّة إلى ما وراء الحدود طبقاً للقرار 1559 وتحت ضغط الشعب الغاضب والوفيّ لرفيق الحريريّ في أيّام "إنتفاضة الإستقلال". والنظام السوريّ وجد نفسه مضطرّاً للإعتراف بلبنان، وإقامة علاقات دبلوماسية معه وفقاً لمقتضيات القرار 1860. صحيح أن التهديدات الكلامية لبعض أركان النظام السوريّ بالتدخّل العسكريّ مجدّداً في لبنان قد كشفت عن استمرار النوايا العدائية والإلحاقية إيّاها، لكنّها أظهرت أيضاً عجز هذا النظام عن تغيير المعادلة المحقّقة في نهاية نيسان 2005. فأيّاً كان مقدار الغلبة الأمنية لحلفاء هذا النظام في لبنان، وأيّاً كانت مقدرته ومقدرتهم على عرقلة قيام مشروع الدولة فيه، ما عاد بالمستطاع الإتكاء على قوة أخصام السيادة، أو الإستفادة من ضعف أنصار السيادة، لإلغاء مفاعيل الإنسحاب العسكريّ المحقّق بإرادة المجتمع الدوليّ، وبإنذار من النظام الرسميّ العربيّ، وتحت ضغط الأكثريّة الحرّة والتعدّدية من المجتمع اللبنانيّ.
والتحقيق الدوليّ في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي طالبت به جماهير الإستقلال أوّل الأمر، أسّس لمشروع محكمة دوليّة أقرّت تحت الفصل السابع، وتتجهّز لمباشرة أعمالها في الآتي من أيّام، لتشكّل لحظة فاصلة في تاريخ القانون الدوليّ، بل لحظة استثنائية في التاريخ الأخلاقيّ للبشريّة. فالمعركة القائمة في لبنان اليوم والتي ستضيء عليها المحكمة الدوليّة، ليست معركة سياسية بين رؤى وبرامج مختلفة، بل هي معركة أخلاقية في المقام الأوّل. سنفهم أكثر من أي وقت مضى ما قصدته الفيلسوفة الكبيرة حنّة أرندت حين تحدثّت عن "تفاهة الشرّ". سنواجه "تفاهة الشرّ" عارية أمامنا عندما يكشف أمر العصابة المجرمة التي قتلت رفيق الحريريّ وباسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران التويني وبيار الجميّل ووليد عيدو وأنطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام عيد، وتسبّبت في قتل وإعاقة مئات العسكريين والمدنيين، طمعاً في تدمير إرادة الإستقلال اللبنانيّ الثانيّ، وهي عينها العصابة التي بلغت حدّاً غير معقول من الشماتة بالموت ومن الإستهانة بكل القيم، وأخذت تنكر على الإبن بكاءه لوالده، وعلى الأب رثاءه لإبنه، وعلى الأخ خروجه للمطالبة بإجلاء حقيقة مقتل أخيه.
وكما نجحت "إنتفاضة الإستقلال" في فرض "الإنسحاب السوريّ" وصولاً إلى "العلاقات الدبلوماسية" وفي فرض "التحقيق الدوليّ" ارتفاعاً إلى "المحكمة الدوليّة"، فهي تمكنت من تفكيك "النظام الأمنيّ" الذي تخصّص أربابه طيلة التسعينات في إعتقال وتعذيب الشباب اللبناني بعد مصادرة حريّاته. وجد "مارِشالات الممانعة" انفسهم وراء القضبان، في مدّة تكاد تكون قياسيّة، بعد رفع أكثر من مليون لبنانيّ لصورهم على سبيل الإتهام. هم يتحضّرون الآن للمثول أمام العدالة الدوليّة في لاهاي. وثمّة من يتحضّر لإعاقة مثولهم إلى لاهاي، وسيمثل بدوره.
تحقيق الإنسحاب السوريّ. تفكيك النظام الأمنيّ. قيام المحكمة الدوليّة. عناوين ثلاثة لإنجاز كامل ما صاغته "انتفاضة الإستقلال" من أهداف. صحيح أنّها فشلت في تحقيق العنوان الرابع، والمتعلّق بإنهاء مفاعيل التمديد اللادستوريّ والصادر بحقّه قرار دوليّ، إلا أنّ التمديد نفسه زال بانقضاء المدّة، وبعد أن مدّد لنفسه بالفراغ بضعة من شهور، عادت الأمور إلى نصابها ونعم اللبنانيون برئيس توافقيّ للجمهوريّة، رئيس يطالبه العدميّون بالحياديّة على الدوام، ويتخوفون في نفس الوقت حالما يمارس الحياديّة والوسطيّة سبيلاً لتعزيز مرجعيّته التحكيميّة.
الحصيلة إذاً ثلاثة أهداف لـ"انتفاضة الإستقلال" تحقّقت، اثنان منهما لا رجعة فيهما (الإنسحاب السوريّ والمحكمة الدوليّة) مهما كانت الضغوط المعاكسة، وثالث يقتضي التنبّه الدائم لأي حركة في الإتجاه المضاد (في ما يتعلّق بتفكيك شبكات النظام الأمنيّ العميلة للوصاية)، ورابع لم يفلح اللبنانيّون في تحقيقه، إنّما انقضى بمرور الزمن (زوال حكم التمديد).
ربّ سائل بعد هذه الجردة: ماذا بقي لتحقيقه؟ هل الإحتشاد في ساحة الحرّية هو للدفاع عن المكتسبات الثلاثة المحقّقة أم لطلب المزيد؟ والمزيد هذا في أي اتجاه يكون؟
عند طرح هذا النوع من الأسئلة تتكشف شيئاً بعد شيء استثنائية إحياء الذكرى الرابعة لإستشهاد الرئيس رفيق الحريريّ. "إنتفاضة الإستقلال" أنجزت كل أهدافها، لكنّ هذه الإنتفاضة لم تكن إلا المرحلة الأولى من "ثورة الأرز". الأهداف التي حقّقتها "إنتفاضة الإستقلال" ليست إلا وسائط أوّليّة لغايات لم تبلغها "ثورة الأرز" بعد، وهي تتعلّق بجوهر مسألة السيادة: لمن القرار، ومن يحمي اللبنانيين؟
عند هذه العتبة بالذات يتضح السبب المباشر الذي يقتضي حضور شعب 14 آذار إلى ساحة الحرية في 14 شباط 2009، وفاء للرئيس الشهيد رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز الآخرين لكن ليس فقط. استقبالاً للمحكمة الدوليّة وفي مواجهة المساعي المتواصلة لعرقلة جلب المتهمين والشهود، لكن ليس فقط. استعداداً للموسم الإنتخابيّ المفصليّ، لكن ليس فقط. إستعادة لوجهة النظر السياديّة بشأن السلاح غير الشرعي، لكن ليس فقط.
يحضر شعب 14 آذار إلى ساحة الحريّة هذه المرة لسبب آخر. سبب يعبّر عنه كل ما تقدّم لكنه يتمتّع بحيثية قائمة بذاتها. يحضر شعب 14 آذار إلى ساحة الحريّة هذه المرّة لصياغة العنوان الخامس لثورة الأرز، والإجابة عن سؤال: كيف يحمي اللبنانيّون أنفسهم؟
الحضور الجماهيريّ إلى ساحة الحريّة هو أوّل الحماية. تنبع ضرورة حضور كل فرد وكل مجموعة من ضرورة "أمنية" بالمعنى الأوّلي للكلمة. يحضر كلّ منّا لحماية نفسه. حماية اللبنانيين الإستقلاليين لأنفسهم تمرّ من خلال حمايتهم لبعضهم البعض، وإحتماء الواحد منهم بالآخر، وحماية الواحد منهم للآخر.
في 7 أيّار، ثمة من لجأ الى الغلبة الأمنية لتحقيق مكسب سياسيّ، وظهر لاحقاً أنّ المكسب السياسي ليس بمستوى ما أستخدم من ورقة أمنية، كما أنّ المكسب السياسي تحوّل عائقاً إضافياً يحول دون اللجوء مجدّداً إلى سلاح الغلبة الأمنية بشكل مفتوح.
في 7 أيّار أيضاً، ثمة حركة استقلالية دخلت في أزمة، أزمة تحقيقها لكامل عناوين "إنتفاضة الإستقلال" وعدم قيامها بعد بصياغة العنوان الخامس لإستمرار "ثورة الأرز" والذي يجيب عن سؤال: كيف يحمي اللبنانيون أنفسهم، وكيف تحمي الدولة نفسها؟
لم يتمكّن اللبنانيّون الإستقلاليّون يومها من حماية أنفسهم، لكنّهم تمكّنوا من حماية وحدتهم، وإرادتهم، وتبيّن لهم شيئاً بعد شيء أن "ثورة الأرز" مستمرّة طالما أنّ ثنائية "الدولة واللادولة" مستمرّة. 14 شباط 2009 هي المناسبة لتكريس إستمرارية "ثورة الأرز" من خلال المباشرة في إعداد البرنامج الوحيد الضروريّ الآن: كيف يحمي اللبنانيون أنفسهم، وإستحقاقهم الإنتخابيّ، ورئاسة جمهوريّتهم وجمهوريّتهم؟