#dfp #adsense

الحياة كتسوية

حجم الخط

الحياة كتسوية

منطق التفتيت واحد وينسحب على الجميع يا إخوان.. وإنّ ظنّ البعض أنّ الخطاب المتشنّج الموجّه نحو الآخر يوحّد ناسه، ويشدّ عصبهم، ويشحذ هممهم نحو سياساته وارتكاباته.. وفقط ذلك.

درسُ بليغ كرّسته السنوات الأولى للحرب اللبنانية، لكن كثيرين اليوم لا يحبّون قراءته ولا حفظه، بل يعتبرون أنفسهم غير معنيين بكل تلك المدرسة من أساسها. هم صنف خاص لا قبلهم ولا بعدهم. بدأت عندهم مسيرة النضال والمقاومة والممانعة، والباقي خراب وسراب كأنّه لم يكن، ومعهم وحدهم بدأت منمنمات العمل الحزبي بكل تفاصيلها الدقيقة ولم يسبقهم إليها أحد، ومعهم وحدهم دون سواهم بدأنا نرى مساكب مزروعة بآليات العمل الإعلامي الحربي وفنونه وطرقه وليس قبلهم. إنّه منطق المغالاة والمكابرة والتفخيم والتطريز والهوبرة العالية الصوت، والافتعال والانفعال، والتحشيد المستمر، والتعبئة المتواصلة على مدى ساعات الليل والنهار، وما إلى ذلك من عدّة شغل جرّبها غيرهم وعلكها وشبع منها، ثم دارت الأيام والأزمان وصارت درساً محفوظاً في الكتب والذاكرة لمَنْ يريد أن يقرأ أو يسمع أو يتّعظ.

عدّة متكاملة لعمل حزبي، يظنّ اصحابه بفخر أنّه ناجح وأنجح من غيره، وكلّه يصبّ في اتجاه المعركة المعلنة ضدّ الآخر أو الغير. تارة ضدّ إسرائيل، وتارة ضدّ الداخل، وتارة ضدّ عرب آخرين، وتارة ضدّ الغرب وسياساته وثقافاته ومُثُله وأنظمته الاجتماعية وفنونة وأخلاقيّاته وكل نتاجه. تعبئة مُستدامة لا ترتاح إلى أن تظن أنّها حققت انتصاراً غير مسبوق وإلهي الطابع ونقطة على السطر.

غير أنّ ذلك كله، يحمل في طيّاته وتلابيبه ودواخله "سوسة" قاتلة لا دواء لها، ولا شفاء منها. إذ أنّ ثقافة الالتمام أو "الضبّ" على الذات ضدّ الآخر لا تنتهي مفاعيلها بانتهاء مفاعيل الصدام مع ذلك الآخر. وممارسات التعبئة الدائمة تولّد مَنْ لا يعود يرى أي آخر، حتى لو كان ابن ملّته أو مذهبه أو طائفته. سبق وأن حصل ذلك حيث تسيطر الفئة الأقوى بالسلاح على طائفتها بفعل التجييش ضدّ العدو الخارجي، وتقاتله بشراسة تبيد في طريقها أي ثقافة تسووية قابلة للعيش، ثم تبدأ الدحرجة بعد أن يركب الدرج بالمقلوب: حروب طائفية داخل الوطن الواحد، تليها حروب مذهبيّة داخل الطائفة الواحدة، تليها حروب حزبية داخل المذهب الواحد، تليها حروب فئوية داخل الحزب الواحد، وصولاً إلى اصطراع عائلات وعشائر وداخل تلك العائلات والعشائر إلى أن يشعشع الخراب وتنتشي البوم بنعيقها.

إنّه منطق التطرّف القاتل للذات قبل أكله الآخر، ومنطق العقل المقفل على ذاته، والنقيض لثقافة التسوية، وهي الأساس والأصل والأول، وعنوان الوجود ليس إلاّ، وخلاصة اسمها الحياة لنقيضين مستحيلين: هول العدم والموت من جهة والخلود الجسدي من جهة ثانية. التسوية التي تعني الحياة وثقافتها، ونقيضها الذي يعني الموت واستحالة الدنيا وما فيها.. وإلى اللقاء غداً في ساحة الحرّية لترسيخ ثقافة الحياة وإعلاء شأنها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل