"الحُطَيْئَة" برتبة جنرال!!
منذ مساء الثلاثاء وأنا مشغولة البال، أحاول أن أبحث عن عذر للجنرال في ما ينتابه بشكل أسبوعي وعلى الهواء، فكلّما أطل علينا "تقولو كإنو في تار" بيننا وبينه، لا يترك أحداً إلا ويصيبه برذاذ حالة "الأوفر دوز تعصيب" التي تسيطر عليه منذ يطلّ!! حاولت أن أجد مبرراً لهذه العصبية، فمنذ الأمس والجميع يجتهد في تأويل توتّره وعصبيته، بدت "الحالة" وكأنها "مستجدة" عليهم، أو كأنها نقلة "حداثوية" في مسيرته التصريحية !!
قفزت بي الذاكرة إلى العام 1989، كانت الوجبة اليوميّة التي يقدّمها لنا الجنرال كطبق مفضّل لديه "عقده لمؤتمرٍ صحافي".. صحيح أنه كان يصرّخ على الصحافيين و"يحنقر" عليهم، خصوصاً عندما يخطىء أحدهم فيقول له: "جنرال"، كان سيجد لواء جالساً إلى جانبه شغلته التصحيح: "دولة الرئيس".. مع هذا كان تعصيبه وهجوماته الشرسة التي تشبه قصف مربض مدفعي أخف وطأة، لأنها كانت "تنفيسة" يومية لخزان انفجاره..
منذ العام 1989 و"الحُطيْئة" الشاعر، ذاك الذي تذكره موسوعات الشعر بأنه عندما ضاق الخناق عليه ومنع من هجاء الناس وأذيتهم، هجا أمّه وأباه، وبعدما استنفد كل من يستطيع أن يهجوه من دون أن يشكوه هجا نفسه:
"أبَتْ شَفتايَ اليومَ إلا تَكلّماً / بسُوءٍ، فما أدري لِمَن أنا قائِله
أرى لي وَجْهاً شَوَّه اللهُ خَلْقَهُ/ فَقُبِّحَ من وجهٍ وقُبِّحَ حامِلُه"
هكذا يستيقظ الجنرال كل صباح، يقول لنفسه "كلام سوء لا أدري لمن أنا قائله؟" منذ أصبح الجنرال يطلّ علينا طلاته الأسبوعية، بات "الحُطيئة" برتبة جنرال في الخطاب السياسي اللبناني، وأصبح الأمر يزداد سوءاً، إذ بات يهاجم الجميع دفعة واحدة، والجنرال ما زال ذو حصانة، عام 1989 كان متحصّناً في ملجأ قصر بعبدا، وعام 1990 تحصّن بمكبر الصوت فلم يعد يظهر منه إلا صوته والبوق وحشد بشريّ يزنره، منذ ذلك الوقت، ثمة فكرة مسيطرة على عقل الجنرال بأنه "مهدّد ومستهدف"!! واغتيل ناس، ومات ناس، وحبس ناس، وطورد ناس، والجنرال "لم يخمش" فمن الذي يهدّده!!
وما زال حتى اليوم ذو حصانة، فبالأمس شتم "ثلاثة أرباع" البشرية، أهان الشهداء، وتطاول على يوم كان سبب عودته إلى لبنان بعدما تنعم في شمس باريس 15 عاماً، فيما سواه يواجه الوصاية بالإعمار واستعادة دور لبنان. هاجم اللبنانيين واعتبر "إنو إذا في لبناني بيفهم لا ينتخب أحداً من الذين صنعوا استقلال لبنان الثاني، وعاد هو ليقبل ثمنه فقط، وليبيعه من جديد"، وعلينا أن نستعد منذ الآن نفسياً، فقريباً وبعد الانتخابات سيقول لنا الجنرال "أننا شعب بلا فهم"، هذا إن لم يستخدم مفردات من قاموسه الخاص!!
وبالأمس تطاول على الذين انتظروا المحكمة 4 سنوات، اتهمهم بأنهم يستنفدون دماء الشهداء، وأعطانا درساً غير دقيق في طريقة تعاطيه مع الشهداء. عادة هو يعطي الآخرين أوامر القتال حتى الاستشهاد، ويفرّ هارباً حفاظاً على حياته إلى أقرب سفارة!!
وبالأمس تطاول على البطريرك الماروني وأعلن أنه لا يمثّل المسيحيين، فقد حاز الجنرال صك براءة بتمثيل مسيحيي الشرق منحه إياه "تمثال داريوس" في إيران، وعباءة حمصية خلعت على كتفيه…
وبالأمس أيضاً وصلت "مواصيله" إلى الإعلاميات الشجاعات، غالباً هو يكره الشجاعة ويفضّل الفرار، وطبعاً استوقفني استخدامه كلمة "محقونة" ـ وهو مفرد قمة في الفصاحة والبلاغة" ليتحدث به عن إعلامية زميلة انتفضت في 7 أيار الأسود بأعلى صوتها فهزّت لبنان رافضة إحراق مؤسسة إعلامية تعمل فيها، وسبق وهدد هو شخصياً مرة بإحراقها، ورفضت كم الأفواه بالإرهاب حرقاً كان أو "حقناً"، فقد كان صهره ربما مرعوباً من استضافتها له، وهو خائف عليه كثيراً هذه الأيام، خصوصاً بعد انكشاف دوره في ملفات التنصت وحجب المعلومات ونسخ الملفات واستنداب ضباط الخبرة في التنصت!!
وهاجم إعلاميّة شكل صوتها مساحة ذاكرتنا وهي تهمس لنا كل صباح: "أوعى توعى إلا إذا نحن وعيّناك"، وهي وردة الصباحات السياسية، فإذا بنا نكتشف سبب الهجوم. بالأمس كانت تلقي كلمة في احتفال حاشد نظمّه معهد العالم العربي في باريس لتكريم الرئيس الشهيد في الذكرى الرابعة..
وهاجم أيضاً، إعلاميّة، شرّفت إعلام لبنان وتاريخه في الحرية باستشهاد نصف جسدها وحياة النصف الباقي منه ليبقى قائماً كقربان على مذبح فداء لبنان أمام أعيننا، ويبدو أن "جلابيطه" يخافون من محاورتها وتسكّ ركاب أجوبتهم أما م جرأتها لأنها تضع اصبعها في جرح لبنان الغائر، فإذا به يقول لنا: "بأنهم – نوابه – لا يعرفون بماذا يجيبون"!! هذه شهادة لها، ولجرأتها وصدقيتها..
أما شتائم الجنرال بالجملة والمفرّق، والتي يوزع بضاعتها علينا كل أسبوع، فهو معذور فيها، والله سبحانه قال في كتابه:"ليس على المريض حرج، وليس على الأعمى حرج، وليس على المجنون حرج، وليس على الأعرج حرج"، فلا بدّ أن واحدة أو أكثر من هذه تنطبق حراجتها على الجنرال .. "دعوه يتكلم يومياً" فتخفّ انفعالاته خصوصاً انه يعشق الكاميرات والإعلام، ويكره الإعلاميين إلا الذين يقدّرون ظروفه منهم!!
يبقى أن نفكر ونسأل – على رغم تحذير الجنرال لنا – لماذا غاب عن قداس شفيع طائفته مار مارون في عيده؟ بالتأكيد ليس الأمر كما قال أنه مهدّد أمنياً، فالحضور شمل الرؤساء الثلاثة وكل شخصيات البلد السياسية، ورئيس الدولة قد يكون مستهدفاً أكثر منه وكذلك رئيسي الحكومة ومجلس النواب.. فليقل لنا الجنرال الحقيقة، أنه لا يحمله رأسه أن يجلس في الصف الثاني أو الثالث، ولا يحمله رأسه أيضاً أن يجلس في الصف الأول، بالقرب من الرئيس سليمان، وقد تخونه أعصابه وهو يتأمل كرسي الرئاسة مرتاحة ومطمئنة إلى مصير البلاد ومصيرها لأن الجالس عليها بعد كل التعطيل العماد ميشال سليمان، الرجل لا يحتمل أن يكون في مكان واحد والجالس على حلمه الرئاسي رئيس سواه!!