رفيق الحريري احب وطنه واستشهد من اجله
في بدايات التسعينات، كان ملف إعادة إعمار الوسط التجاري في بيروت، مدار نقاشات واخذ ورّد، ووضع بعض السياسيين في تلك الايام، ما يشبه الفيتو على المشروع الشامل الذي قدّمه رجل الاعمال الناجح رفيق الحريري، وبدا ان الامور سوف تأخذ منحى تصاعديا يهدد بوقف الجهود لاعادة احياء قلب بيروت المدّمر كلياً نتيجة للحرب التي استمرت اكثر من 15 سنة، ولمعرفة خلفيات وحقيقة ما يدور حول هذا الوضع الهام، قرر رئيس التحرير الاستاذ شارل ايوب ارسال وفد الى فرنسا للالتقاء بهذا الرجل الذي بدأ يشغل اللبنانيين والعرب منذ تلك الايام، وما زال حتى هذا التاريخ ولسنوات طويلة مقبلة يشغل لبنان والعالم كله.
تشكّل الوفد يومها من الزملاء ابراهيم جبيلي، نبيل بومنصف، جورج بشير، جورج بكاسيني وانا، والتقينا رفيق الحريري على يخته الراسي في ميناء مدينة كان الفرنسية، وقد حضر اللقاء الاول معه العقيد السفير جوني عبده، والمحامي باسيل يارد.
في طبيعة الحال، لن ادخل في هذه العجالة، بتفاصيل اللقاءات مع الرجل الذي اصبح في ما بعد رئيساً لحكومة لبنان، وسأكتفي بالاضاءة على ثلاث ملاحظات لفتتني في شخصية هذا الانسان، وفي طريقة تربية اولاده، واسلوبه الحماسي في عرض وجهة نظره، وفي نظرته الى الحكم والمسؤولية.
بعد لقائنا المسائي معه، دعانا الى ترويقة عمل في صباح اليوم التالي، وقد فوجئنا، وكنا ما زلنا في الفندق، ان رفيق الحريري ارسل احد ابنائه – واعتذر عن عدم تذكرّي اسمه – وربما كان ايمن – ليصطحبنا مشيا على الاقدام الى حيث اليخت القريب من الفندق، وكانت مناسبة للتحدث مع هذا الشاب النحيل الذي يتكلم بهدوء وباحترام وحساب، وقد دعاه والده - رحمه الله – الى الجلوس معنا، وما هي إلا لحظات حتى دخل شقيق آخر، ربما هو الاصغر، وسارع بعد القاء السلام، الى تقبيل والده وشقيقه، كعادتهم في اي لقاء بينهم، كما عرفنا لاحقاً، وفي اي وقت من الاوقات، وعند مغادرتنا مدينة كان وجدنا نجله حاضراً لوداعنا، مؤمّناً وسائل نقلنا الى مدينة نيس في طريق العودة الى بيروت.
كانت لافتة محبة رفيق الحريري لاولاده، ولافتا اهتمامه بتفاصيل صغيرة تغيب احياناً عند الاهل، في المقابل كان احترام اولاده له، وتعلقهم به، ومحبتهم لبعضهم بعضا، دلائل واضحة على ان رفيق الحريري، بالتعاون طبعاً مع شريكة عمره، السيدة نازك، كان ينشئ عائلته، على تقاليد وعادات وقيم العائلة اللبنانية قديما، حيث المحبة والاحترام والتعاون هي الجسور التي قامت عليها العائلات، واستمرت عند بعضها وضعفت عند البعض الآخر.
الملاحظة الثانية التي يتلمّسها سريعاً كل من يقترب من رفيق الحريري، هي ثقته الكبيرة بنفسه، واحاطته الكاملة بالملف الذي يناقش، وبقدرته المذهلة على الاقناع في سياق منطقي ومثبت للبراهين التي يقدمها، وللخلفيات التي يعرفها، وللعقبات التي ينتظرها، وفي حسابي ان هذه الميزة كانت سبباً رئيساً لنجاحه في ميدان الاعمال، ومجال السياسة.
ويبقى اخيراً من الملاحظات ما باح به – رحمه الله – في جلساتنا معه، ان اولاده وزوجته كانوا غير متحمّسين لانخراطه في العمل السياسي المباشر، ويتخوّفون على صحته وحياته بسبب الاوضاع الصعبة التي كان يمّر بها لبنان والمنطقة، وانه يحاول ان يقنعهم ان وصوله الى رئاسة الحكومة، سيّسهل امامه فرصة اعادة بناء لبنان كما يحلم بها، وفي النهاية، كان يقول لعائلته، «لا يصيبكم الا ما كتب الله لكم».
قبل ساعات على الذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، لا يسع مطلق لبناني يضع حبّ وطنه ومصلحته، فوق كل اعتبار، الاّ ويشعر ان الجهة التي اغتالت رفيق الحريري، لم تكن تستهدف شخصا، ولا عائلة، ولا طائفة، ولا مدينة، بل كانت تستهدف وطنا بكامله، لأن بصمات هذا الرجل في الإنماء، والتعمير، والتعليم، والثقافة، والرياضة وفي السياسة، والوطنية، واستنهاض الهمم، موجودة في كل بقعة من بقاع لبنان، بصرف النظر عن الدين والطائفة والمذهب والتيارات السياسية.
هذا اللبنان، بالنسبة الى اعدائه وحاسديه ومبغضيه، ممنوع من الوجود، وممنوع من الحياة، وبقتلهم رفيق الحريري، اعتبروا انهم قادرون على قتل لبنان، وفاتهم ما قاله السيد المسيح بأن حبة الحنطة ان لم تمت في التراب تبقى وحيدة ولا تتكاثر، وفاتهم ما قال الشاعر، ان حياة الشهيد يوم مماته، وفاتهم ان اللبنانيين الاوفياء لوطنهم ورجالاتهم حريصون على ارث رفيق الحريري، وعلى دمه ومسيرته، وهذا الحرص اكّدوه في التظاهرات المليونية وفي الانتخابات، وفي الحجّ الذي لا يتوقف الى ساحة الشهداء، ساحة الحرية، ساحة رفيق الحريري، ليلقوا التحية على الإنسان الذي احبّ بلده حتى الاستشهاد.