السلطة الشرعية والسلطة الرديفة: الاسس العلمية لشرعية القوة المنظمة
المحامي جورج ابو صعب
في ظل اللغط والخطأ المقصود الواقع فيهما قسم من اللبنانيين الذين اختلطت في عقولهم المفاهيم والمبادئ والثوابت حتى اصبحت قابلة للمساومة والمتاجرة، لا بد من العودة الى المفاهيم العلمية لمحاولة انارة العقول الظلماء واعادة تنظيم الدماغ البشري المتهاوي في خضم التضليل والتعمية الغوغائية لمن يعتبرونهم زعماء لهم.
فحديثنا اليوم يرتدي الطابع السياسي العلمي ويتناول مفهوم السلطة الشرعية ومميزاتها نسبة للسلطة الرديفة او السلطة الشعبية.
اولا: ان القوة في علم الفيزياء هي فعل جسم في جسم، وفي علم السياسة هي قدرة فرد او هيئة او حكومة على التأثير في عقول وافعال الاخرين تمهيدا للتأثير على اراداتهم. هكذا يحدد علماء السوسيولوجية مفهوم القوة، (هوبز، لوك وروسو).
فعالم الفيزياء لا يعرف الفراغ وبالتالي لا يفلت فيه حيز ما في جسم ومن ثم من قوة تلعب دورا في اتساق عالمها وتكامله. هكذا في علم السياسة يكون الوضع بحيث لا فراغ فيه وهو المبني على فكرة القوة من صميمه. لذلك الاستنتاج الاولي باعتبار السلطة السياسية كقوة عليا اداة للتكامل السياسي في المجتمعات لانها اداة تحقيق انسجام بين مختلف قوى هذه المجتمعات، لان هذه السلطة تحتكر ادوات العنف في المجتمع نتيجة اعتراف الفكر الجماعي بهذه القوة واقرار الجماعات داخل المجتمع بتجريد ما عداها من القوى الاخرى من هذه الادوات.
ثانيا: ان التعايش والتفاعل بين هذه القوة الشرعية المعترف بها جماعيا وبين ما يسمى في علم الاجتماع السياسي قوى الضغط او تكتلات الضغط ينطلق من مبدأ قدرة الانسان على الاختيار بين علاقات قوى يحكمها القانون والارادة الواعية وبين علاقات قوى يحكمها قانون الفعل ورد الفعل. لذلك يأتي دور السلطة السياسية لتحقيق الانسجام بين القوى المتباينة داخل المجتمع الكلي ومن ثم تأمين اتزانها. لذلك فان السلطة السياسية الشرعية ليست حيادية في سموها بل دورها ريادي في تحقيق الانسجام بين القوى الخام في المجتمع.
ثالثا: ان السلطة في المجتمع هي سلطة الامر بحسب مدرسة الفقه الدستوري الفرنسي بما انها تعني الاحتكار الفعلي لادوات العنف باجماع ضميري جماعي كأداة لتحقيق الانسجام الاجتماعي والنظام العام المتوافق عليه المجتمع.
من هنا صفة هذه السلطة بالشرعية كمجموعة قيم جماعية توافق عليه اهل المجتمع: فالسلطة السياسية هي السلطة الشرعية اي السلطة التي تمثل القيم الاجتماعية والثقافية لمجتمع ما. ويقول في هذا الصدد البروفسور بوردو BURDEAU ان السلطة مركب من عنصرين: القوة المادية والفكرة التي تربط هذه القوة المادية بالغاية الاجتماعية لا بل الجماعية. فيراها الفقيه الفرنسي قوة مادية في خدمة الفكرة العامة.
وعليه فان في السلطة تنظيم جماعي واقرار جماعي بها كقوة سياسية تعمل على تثبيت ارادة الشعب في مجتمع معين.
رابعا: فالمفهوم الحديث اذا للسلطة السياسية يربط القوة بالتنظيم بحيث ان غياب التنظيم يؤدي الى جنوح السلطة وبالتالي الى اجهاض الفكرة الجماعية الجامعة للمجتمع وقواه الحية، خاصة بعد التطورات التاريخية التي شهدت انسلاخ تلك السلطة عن اشخاص حاكميها لكي تصبح مرتبطة في كيانها العضوي والوظيفي بنظام مسبق ترعى علاقاتها بالمحكومين وهذا هو النظام الشرعي. ان نظام الشرعية والتي تقدم افضل ضمان لسلطة ولمحكوميها بان تكون تلك السلطة الحاكمة خاضعة للارادة الجماعية المتمثلة بالقانون وما يعرف بالتالي بسيادة القانون. من هنا فكرة الدولة التي تعني حلول الطاعة للقوانين المجردة المعبرة عن الارادة العامة في المجتمع بدل الخضوع لارادة الافراد ولقرارات الافراد (المفكر السياسي البروفسور دانتريف A.PASSERIN D”ENTREVES )
خلاصة: هكذا ومن خلال التحليل العلمي المجرد اعلاه ليس كل من يدعي القوة المادية شرعي وليس كل ما يدعي تحكمه بالناس حاكم قانوني وشرعي. وحدها السلطة السياسية الممتلكة مشروعية القوة تملك شرعية السلاح في مجتمع ما وتكون هي وحدها المنظمة. وقد قدم الاسلام صورة واضحة للسلطة المنظمة وبالتالي الخاضعة للقانون :"يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم – صدق الله العظيم ".
والتنظيم الشرعي للقوة والفكرة الجماعية يجسدها الدستور والدستور كمجموع القواعد المنظمة للسلطة عضويا ووظيفيا ينظم علاقات السلطة بالمحكومين وهذا ما تجسده فكرة الدولة ومبادئها.