فجرُ الشهادة الرابع يُضيء اليوم ساحةَ الحرية
انه يومٌ تراجيدي بامتياز: الرابع عشر من شباط، في استشهاد الرئيس رفيق الحريري. تراجيدي لأنه يُذكِّر بأن الأبطال الكبار يتحدون مصائرهم، ويواجهون "الآلهة الطغاة وآلاتهم الجهنمية التي تَسحق، ومع هذا، فهم لا يستسلمون وهم يعرفون ما ينتظرهم:الموت او القتل على أيدي الممسكين بالأقدار بقوة البطش والجنون.
هكذا واجه رفيق الحريري "قدراً" مصنوعاً وحشياً، تكهّن انه لن "ينجو" منه.
ومع هذا وقف وقال "لا"… وكانت القاتلة. وكانت الدم الذي نَفَر الى كل بقعة، والجسم الذي توزع في كل ناحية؛ هذه "القدرية" الطغيانية التي تكرس "قدرتها" (وارادتها بالموت والجريمة) عطلتها الشهادة وبددها الدم الزكي… لأنه وبدل ان تقطف تلك الاستبدادية ثمار قتلها، فاذا بذلك الدم، دم الحريري، يرتد عليها ويحرقها ويحرك كل النفوس الشغوفة ويقهر بقوة الانتماء والتجدد والالتزام كل الارادات المستكينة والعادات المُطيعة ويجرف كل حواجز الخوف. وكان ان انفجر القمقم الشعبي، في 14 شباط ليعلن قيام الانتفاضة.
وكأن "القدرية الجهنمية" هزمتها "قدرية" أخرى أقوى هي القدرية الشعبية المولودة من الحرية، والالتحام بالاستقلال والسيادة. من دم فريد كبير، تناسلت الجماهير لتتكاثر ايضاً الشهادات: فآلهة القتل تداوي جرائمها بالقتل، والحقد بالحقد، ليسقط الشهيد بعد الشهيد: من سمير قصير الى جورج حاوي الى جبران التويني الى بيار الجميل الى انطوان غانم فوليد عيدو…
وبدمائهم، تكاثرت الحرية وتكاثرت الجماهير وتفاعلت لتصير الحرية عبر تعددها وكثرتها واحدة: قدر جديد مصنوع بالحرية يواجه أقداراً ملفقة بالذل والانتقام والتواطؤ والارتهان. هذا الجمهور الواحد الذي انفجر في كل الاتجاهات كان له ومن هَدْي الشهيد الأول والشهداء الآخرين ان يكون هو الجدار الأول والثاني والثالث والألف.. الذي ينتصب شامخاً وصلباً في وجه مخططات عودة الوصايتين وامتداداتهما وضرب انجازات الحرية والديموقراطية والمحكمة الدولية والعدالة ووحدة البلد وتعزيز المجتمع المدني.
جماهير مشرقة بحرياتها، درجت على تلبية نداء حماية وجوده وارادتها وترسيخ ثورة الارز والدفاع عن وطنها. هذه الجماهير السلمية، نزلت مرات، ومليونية وفي كل مناسبة ترى انها تهدد مكتسباتها بوعي لشروطها وبتجاوز لاختلافات وتمايزات: انها الجبهة العريضة التي تتراص، منذ أربع سنوات لتكرس ذكرى الشهادة وذكرى العطاء وتُفشل بقوتها السلمية كل المخططات الانقلابية ومردودات الحروب العبثية، وسيوف الارهاب والترهيب المصلتة فوق الرؤوس. هذه الجماهير الفريدة في عالمنا العربي، كأنها مفتتح عهد جديد في المواجهة: لا عنف ولا تعنيف ولا ردود فعل تشبه مرتكبات الوصايتين؛ انها الجماهير التي تشبه شهداءَها، تشبه كلامهم السلمي، وأفكارهم الديموقراطية ومنازعهم الاستقلالية وتوجهاتهم السيادية وضمائرهم الحية في التعامل مع العدالة والحقيقة. هذا الجمهور الذي حمى البرلمان والحكومة والمجتمع المدني (كالعين التي تقاوم مخارز القتلة والمأجورين) ها هو اليوم، يؤم محجتها: ساحة الحرية، القريبة من ساحة الشهادات وربما القريبة من كل ساحات الشهادة. فكأن كل الساحات تصير ساحة واحدة في ساحة الشهداء وكل الشهداء من كمال جنبلاط، الى المفتي حسن خالد، الى الرئيس رينيه معوض، الى الشيخ صبحي الصالح… شهيداً واحداً: ما أروع ان يصير كل وجه كلَّ الوجوه، وكل الوجوه وجهاً واحداً. ما أروع ان تصير كل الدماء، دماء الشهداء من فصيلة واحدة هي فصيلة الحرية، ذلك ان يوم الشهيد والشهادة اكثر من ذكرى. ولو كان كذلك فحسب لاندثر في لحظته. انه اكثر من استذكار وأكثر من دمعة وأسف وحزن وغضب. هذا اليوم هو يوم استنهاض الحضور المنتظر. استنهاض القيم التي بذل الشهداء انفسهم من اجلها: قيم هذا البلد الاستثنائي. قيم الحرية. التعددية الطليعية. الديموقراطية. الانفتاح. الاستقلال. العدالة. العقلانية. الحلم "في مواجهة" ظواهر العنف والارتهان والتوتاليتارية. والاستبداد والطغيان والاستلاب والمذهبية الموظفة لاعدام الآخر ولاعدام الاختلاف.
قيم السيادة في مواجهة فساد الارتهان. قيم الارادة الحية في مواجهة الارادات الغاشمة، الميتة (كل القتلة موتى دواخلهم وأفكارهم) قيم الانفتاح والوحدة في مواجهة التعصب والكانتونية. قيم الدولة في مواجهة تكريس الدويلات!
فالحِمل ثقيل اذاّ على ناس ساحة الشهداء اليوم. والدرب وعر مهما بدا سلساً.. والمخاطر محدقة والعوائق كثيرة. انها مواجهة الارادة الصلبة "للقدريات" الطغيانية. ولهذا فحضورهم اليوم فعل تحد لكل ذلك. وفعل مواجهة. بل وفعل مقاومة مدنية لكل اعراض التفكيك والقوة. انها المقاومة المليونية، اليوم، في ساحة الشهداء، أشرس بمنحاها السلمي، أقوى بأصواتها العارية، أمتن بأجسامها العزلاء، أَفعل بخطابها العقلاني، أعتى بوفائها لشهدائها، وما يمثلون…
المقاومة المدنية المليونية، اليوم، في ساحة الشهداء، اكثر تمسكاً باستقلالها ووطنها وأعمق وفاء لرفيق الحريري وشهداء الاستقلال: انه الفجر الذي يتجدد باستمرار: فجر الحرية الذي يضيء ملايين الوجوه… الزاحفة من كل لبنان، ومن أجل كل لبنان، بل ومن أجل "لبنان أولاً… وأخيراً…".