النظام اللبناني في مأزق وهذه هي الأسباب
دلّت تجربة الثلث المعطِّل في الحكومة الحالية أنها وسيلة يمكن إستخدامها لتعطيل الحكم ليس في القضايا الإستراتيجية فحسب بل حتى إذا ما قرَّر مجلس الوزراء تعيين موظف، والممارسة منذ تشكيل هذه الحكومة وحتى اليوم أسقطت مقولة أن هذا الثلث هو (الثلث المشارك) كما كان يُطرَح أثناء الحكومة السابقة والتي استقال منها وزراء حزب الله وحركة أمل والوزير المحسوب على رئيس الجمهورية السابق العماد اميل لحود.
الخطير في ما يجري اليوم أنه إذا تمَّ تعطيل قرارٍ ما فإنه تُربَط فيه كل القرارات، صغيرها وكبيرها، فإما أن تمشي (سلة واحدة) وإما أن يتعطّل كل شيء، وهذا الأداء في حدّه الأدنى ضغط وفي حدّه الأقصى ابتزاز.
* * *
إن ما يجري هو أسطع مثال على هذا الأداء، فهناك ثلاثة قرارات إستراتيجية وكبيرة معطّلة:
إقرار الموازنة، إستكمال تشكيل المجلس الدستوري، التشكيلات القضائية. في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء طُرح تعيين موظف ليملأ الفراغ في هيئة التشريع والقضايا فرُبِط بالقرارات الثلاثة الإستراتيجية وتعطَّل التعيين.
هذا الواقع دفع بوزير المال محمد شطح، الذي يكتوي بتعطيل إقرار الموازنة، الى نعي الحكومة فلم يصفها بحكومة تصريف الأعمال بل ذهب بعيداً بوصفها حكومة تعطيل الأعمال.
* * *
هذه التجربة القصيرة نسبياً في عمر الحكومة دفعت أركاناً في الأكثرية الى إستخلاص العِبر والحديث عن نمط جديد يجب السير فيه بعد الإنتخابات النيابية، وهو:
مَن يَفُز في الإنتخابات يحكم، فإذا فازت قوى الثامن من آذار تُشكِّل الحكومة، وتنتقل قوى الرابع عشر من آذار الى المعارضة، والعكس صحيح. لكن هل هذا النمط قابل للحياة؟
الشيء المؤكَّد أن النمط الحالي أظهر فشله وتسبَّب في تعطيل الدولة، ولكن ماذا لو لم يَفُز أيٌّ من الفريقين بالأكثرية الموصوفة، فمن يحكم في هذه الحال؟
إن العقدة المستقبلية بدأت تلوح منذ الآن، فالبلاد أمام (معضلة حكم) أيًّا تكن نتائج الإنتخابات النيابية، فهل نحن نتجه الى (طائف – 2) أو الى (دوحة – 2)؟
* * *
النظام اللبناني في مأزق، فهو خليط من (صيغة 43) وإتفاق الطائف وإتفاق الدوحة، وهذا التوازن الدقيق جداً والحساس جداً لا يمكن تطبيقه في الممارسات اليومية، ونتيجته الحتمية شللٌ على كل المستويات وتعطيلٌ لكل القطاعات، وهذه الحالة الفريدة في الأنظمة السياسية مرشّحة للإستمرار وسط العجز عن استنباط الحلول العملية والخوف من التغيير.