#adsense

قــوة الحضــور في ذكــرى الغــياب

حجم الخط

قــوة الحضــور في ذكــرى الغــياب

مع حلول الذكرى الرابعة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري يتجدد الشجن، وتتزاحم الذكريات. وهي ذكريات تبدأ في زمن الفتوة، حين كنا في المقاصد بصيدا في الخمسينات من القرن الماضي، وتمتد الى ساعات قبل استشهاده رحمه الله. بيد ان بين اواخر تلك الذكريات قبل اسابيع من غيابه رحمه الله، نقاش استمعت اليه وكان يدور بينه وبين عدد من مجالسيه، في شأن عمل كان الرئيس الحريري يصر على السير فيه رغم المعارضة الشديدة التي يلقاها من خصومه السياسيين. وكان بعض الحاضرين يجادل بأن السياسة هي فن الممكن، ولا يبدو ان هناك امكانا الآن، فالافضل الانتظار بعض الوقت ثم العودة بطريقة اخرى، وهو امر تعوده الرئيس الحريري في الاعمال وفي السياسة، وكان هذا احد اسباب نجاحه القائم على المثابرة والسعي الدائم الى الحوار والاقناع والتلاؤم مع المتغيرات مع اصراره على التمسك بالمبادئ. وما بدا الرئيس موافقا على ذلك، ولذا فقد اجاب: انتم تعتبرون ان اغتنام الفرصة هو اساس النجاح، وانا ارى ان المبادرة هي التي تصنع الانجاز. لكن ما نحن في صدده امر آخر، فلماذا يقوم احدنا بهذا العمل او ذاك؟ انا اقوم به في المجال السياسي لسببين: الاقتناع بصحته، وتقدير اثره في النفع العام.

والواقع ان هذه المفردات الثلاثة: الاقتناع، والمبادرة، والنفع العام، تكشف الى حد بعيد شخصية الحريري الانسان ورجل الاعمال، والزعيم ورجل الدولة. فقد تكونت لدى جيلنا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي قناعات عميقة في شأن التحديات والامكانات والقدرات، وفي المجالين الخاص والعام. فقد كان هناك الوعي بالتحدي الحضاري، تحدي التقدم وتجاوز الجمود والضعف والتخلف، وتحدي الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين. وتركز التمييز بين الافراد في طريقة تعاملهم مع المسألتين الأخريين، اي الوعي بالشؤون العامة ووسائل مقاربتها، وشجاعة الارادة والمبادرة. وهذه الامور الثلاثة هي التي حركت رفيق الحريري منذ فتوته وشبابه، فاندفع في الاتجاهين: اتجاه المبادرة في عالم الاعمال، واتجاه المبادرة في الشأن العام والنفع العام، والوفاء للمحيط حيث ان اول ما خطر بباله حين توافرت لديه المبالغ الاولى من عمله، لا ان يشتري بيتا او يقتني حاجة، بل كان اول ما اتجه فكره نحوه هو ترميم مدرسة فيصل التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الاسلامية والتي كانت في حاجة الى الترميم والتوسيع والتجهيز. وهذا ان دل على شيء فانه يدل على اتجاه تفكيره حيث يحسب للغير حسابا قبل ان يفكر في نفسه، خصوصا اذا ما كان هذا العمل نافعا للآخرين وخيره عميم.

ولا ازال اذكر اصراره رحمه الله في عمليات اعمار بيروت ولبنان على البدء باعادة بناء المدينة الرياضية في بيروت. وما كان يحب الحديث عن اسباب ذلك الا عندما يضطر. وقد قالها اخيرا ببساطة: لقد كانت المدينة الرياضية أول ما خربه الاسرائيليون عندما غزوا لبنان عام 1982، ولذلك يجب ان نستجيب للتحدي ببدء الاعمار ببنائها لما لذلك من دلالات! وهذا الامر ينتمي – كما سبق القول – الى القناعات العميقة التي نشأ عليها جيلنا في شأن التحدي الصهيوني للأمة، وكيف يكون علينا ان نجترح الوسائل بالوعي وبالشجاعة وبالمبادرة لمواجهته.

ولا شك في ان نزوع الرئيس الحريري الكبير الى الاعمار والعمران، وصنع الحياة القوية والمزدهرة، ينتمي الى تلك القناعات العميقة بالمشكلات البارزة التي كانت – ولا تزال – تواجه مجتمعاتنا ودولنا وامتنا وتحديات الخروج من التخلف، والمشاركة في عالم العصر والمستقبل. وقد سيطرت عليه تلك الفكرة بحيث ارتقت لديه الى مصاف الرؤية الشاملة. فبادر – استنادا الى هذا الوعي بالتحدي الحضاري – الى انشاء مؤسسة الحريري لتعليم اجيال تنهض بلبنان. وبادر الى انشاء مجمع كفرفالوس الجامعي والتعليمي والطبي والاجتماعي والذي احتله الاسرائيليون وضربوه بعد اجتياحهم لبنان عام 1982، كما بادر بدءا بالعام 1982 – الى وضع التصورات لاعمار بيروت. وعندما بدأت تلك الرؤى تتحول حقائق ووقائع استند اليها انطلق منها ليجدد صورة لبنان لدى العرب والعالم، ولتكبير حجم الاقتصاد وتعزيز معدلات النمو فيه ولتنمية المناطق المحرومة فيه. ومن جهة اخرى العمل على بناء مؤسسات الدولة، والتطواف في العالم العربي داعيا ومبادرا لوضع التعاون العربي والعمل العربي المشترك على السكة المؤدية الى قيام التكتل الاقتصادي العربي، والسوق العربية الواحدة.

وبسبب هذا الدأب، وتلك العزيمة، والنشاط الهائل، صارت الامور والمفاهيم واضحة لديه، بحيث كان قادرا على الاقناع بها بقدر ما هو مقتنع. ولا شيء يدفع الى المبادرة والعمل مثل الاقتناع العميق.

سمعت مرارا النقاش الذي كان يدور بينه وبين مثقفين كان بالغ الاحترام لهم، وكانوا يحاولون اقناعه بانشاء مركز للبحوث والدراسات، وكان هو يجيبهم: لا مانع من القيام بذلك. لكنني ارى ان مؤسسة الحريري تخرج سنويا مئات من مختلف التخصصات، ولا شك في ان مئات منهم سوف يعملون او قد يسهم بعضهم في انشاء عشرات مراكز الابحاث في كل الحقول، اذ ما هو العمل العام او النفع العام؟ انه العمل الذي يفيد اكبر عدد من الناس. ولذا فان علينا – كما قال – ان نركز في عملنا السياسي على تقوية فكرة الدولة ومؤسساتها، لانه مهما بلغ نشاط الفرد او بلغت قدراته، فانها تبقى محدودة، اما المؤسسات العامة فانها تفيد الجميع وتبقى وتستمر. وهذه ذاتها فكرته عن الدولة، فقد كان يسأل نفسه ومحاوريه في ظروف الازمات: لماذا ينشئ الناس دولا؟ وكان يجيب: لتحسين حياة الناس، وصون المصالح الوطنية والقومية. ففي حين يكون جهد الفنان او الكاتب مثلا فرديا، وقد يقتصر نفعه عليه، فان عمل رجل الدولة في الشأن العام يكون شاملا، ويتجاوز تأثيره الافراد وقدراتهم الى الامكانات العامة، والشأن العام.

والذي اراه بعد كل هذه السنوات مع رفيق الحريري حضورا وعملا وانجازا ونجاحا وابداعا وزعامة، ان تلك الشخصية الفريدة كونتها قناعاته العميقة، ودفعتها في دروب العمل والانجاز روحه المبادرة ونظرته الخلاقة وتطلعاته الرؤيوية التي ادخلها في قلوب اللبنانيين والعرب الآخرين في مساره الدؤوب للعمل العام، وللنفع العام.

لقد ظن المجرمون انهم باغتياله سيتمكنون من ازاحته عن مسرح الاحداث وشطب دوره وقد نجحوا في اغتياله عبر جريمة ارهابية لكنهم اخطأوا في حساباتهم في ان ذكراه سوف تخفت مع الايام. فما حصل هو عكس ذلك تماما، فحضوره في ضمائر اللبنانيين والعرب والعالم ازداد ودوره كبر اكثر مما كان يتوقع المجرمون.

اننا، في الذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس الشهيد، نجد ان حضوره يزداد ويزدهر، استنادا الى الاعمال التي قام بها على اكثر من صعيد والانجازات التي حققها في حياته وتبقى شاهدة على ما قام به من اجل لبنان وقضايا العرب، واستنادا الى القيم الكبرى التي اسس عليها وناضل من اجلها، والتي ستظل مصدر إلهام للبنانيين وللعرب الآخرين.

المصدر:
النهار

خبر عاجل