#adsense

كان للدم أن يلتقي

حجم الخط

كان للدم أن يلتقي !

14 شباط عنوان لمضمون وطني نبيل لا يتغيّر أو يمكن أن يذهب الى النسيان. هذا المضمون لا يعني بالضرورة انه خاضع لملكية حزب او فئة من اللبنانيين. وهو بالتأكيد لا يقبل الحصرية لانه يخص في مغزاه العميق كل اللبنانيين والمعنى الحقيقي للهوية اللبنانية والمحتوى المأمول للوطن اللبناني في نظر ابنائه.

14 شباط يعني ثلاثة امور او بالاحرى ثلاث قيم تتجاوز الانقسامات والصراعات السياسية التي غذتها تدخلات خارجية هالها خروج لبنان من الوصاية الى بداية درب الاستقلال. وأجّجتها مخططات هدفها الأساسي وضع كل العراقيل امام مشروع قيام الدولة، وهي وحدها القادرة على ان تصون لبنان وتحميه وترسّخ فيه قيم السيادة والديموقراطية والحرية وحقوق الانسان التي يصبو اليها كل لبناني يريد ان يعيش مواطنا مطمئنا الى حاضره ومستقبل ابنائه.

❑ ❑ ❑

ما هي هذه القيم الثلاث التي يعنيها 14 شباط؟
❑ أولا: الولاء للبنان. وهذا شعار رفع يوم 14 آذار من عام 2005 عندما تجاوز اللبنانيون كل المقاييس المعروفة في الدول والشعوب فخرج ثلثهم على الاقل، في ذلك اليوم التاريخي الى ساحة الحرية، تعبيرا عن طموحهم الكبير وعن جوعهم الاكبر الى قيام لبنان الذي كانت التدخلات الخارجية والوصاية وسياسات فرّق تسد قد مضت بعيدا في دفعه نحو التفكك واليأس غرقا في حروب اهلية مصطنعة.

خرج ثلث اللبنانيين لانهم يريدون وطنا وهوية واستقرارا ودولة وقانونا وسيادة واستقلالا، ومكانا لائقا لهم في هذه المنطقة. وكان هذا الخروج التاريخي غير المسبوق في الامم، صرخة مدوية في ارجاء العالم تؤكد اصرار هذا الشعب الذي مزقوه تمزيقا، على الحياة والحرية وعلى ان يكون لبنان بلد التعايش زينة الاوطان في هذا العالم.

❑ ثانيا: الوفاء لرفيق الحريري وباسل فليحان ورفاقهما الذين سقطوا دفاعا عن تلك القيم التي يمثلها لبنان الوطن الحر، السيد المستقل والقادر في نهاية الامر، مهما تمادت مخططات التمزيق والشرذمة، على ان يقف نموذجا متقدما في التنمية والازدهار والبحبوحة، وفي الحرية والديموقراطية، بما يفترض ان يغني هذه المنطقة لا ان يرفع نسبة الحقد عليه والغيظ منه في بعض ارجائها الى درجة الاصرار على تهديمه فوق احلام ابنائه ورؤوسهم وبأيديهم الغارقة في الطيش كي لا نقول في الجنون.

كان الخروج في 14 آذار وفاء للرئيس الشهيد الذي كان مهتما بالبناء وبصناعة "ميليشيا" العلم والتخصص، وقد رفد لبنان بأكثر من 35 الفا من الشباب حملة الدكتوراه من كل الطوائف.

كان يفعل هذا يوم كان الآخرون يقودون ميليشيات القتل والحواجز والخطف وسحق الهوية اللبنانية ومحوها من نفوس اللبنانيين، عبر اشاعة الآلام واليأس والقنوط، بعدما عُلّق لبنان ردحاً طويلا من الزمن على الصليب وسار على درب الآلام.

وعندما تكرر الخروج الشعبي العارم عاما بعد عام، كانت محفة الكرامة الوطنية تكبر وتزداد، بازدياد عدد الشهداء الذين اغتيلوا تباعا ودائما بهدف اغتيال مشاعر الولاء للبنان والوفاء للهوية والسيادة والكرامة والاستقلال، ولكن كلما ازداد دم الشهادة غزارة ازداد الاصرار على قيام لبنان الوطن والدولة عمقا ورسوخا.

❑ ❑ ❑

في سلم القيم الالهية والاخلاقية والوطنية ان دم الشهادة في الوطن الواحد يسيل في مجرى واحد، ويذهب الى مصب واحد. يسيل في جداول الكرامة والسيادة والحرية والاستقلال، ويذهب الى مصب الوطن السيد الحر والقوي الذي يليق بالانسان اللبناني.

على هذا الاساس، كان لدم الشهادات في الجنوب الصامد والمنتصر، وكذلك لشهادات الدم في بيروت عروسة العواصم وزينة آسيا. كان لكل هذا الدم ان يلتقي في ساحة الحرية الواحدة الموحدة. ساحة الشهداء. ساحة الكرامة اللبنانية. ساحة الفينيق الذي ينهض ويحلّق من رماده ورميمه وقد حسب الاعداء الاسرائيليون والكارهون في امكنة اخرى ان لبنان سقط ليكون كسور الحساب في التسويات الاقليمية او ربما المؤامرات الاقليمية.
نعم كان لكل هذا الدم الطاهر ان يلتقي وفاء للوطن وولاء لقيم لبنان وامانة لطموح ابنائه المعذبين. ولكن الزمن ليس ساعة او شهرا او عاما او عامين واكثر. فان لم يلتق الآن فان الحق والعدل الالهي والصواب الذي لا يكسر والحكمة التي لا تموت ستقود كل هذا الدم الى الساحة الواحدة.
ففي النهاية لا تستطيع المصالح الخارجية والاستراتيجيات المتصارعة في المنطقة والعالم ان تدفن الحق وتزوّر سلم القيم والمفاهيم التي هي جزء من الايمان وجزء من الحقيقة الانسانية في لبنان.

❑ ❑ ❑

❑ ثالثا: 14 شباط ليس تظاهرة ليس احتشادا، وليس تلبية لنداء قوى 14 آذار. ليس هراوة شعبية يلوح بها لاهداف انتخابية وسياسية، كما يقول من يصيبهم هذا اليوم بالضيق والدوار.

لا. 14 شباط موعد سنوي. مثل رأس السنة. مثل الاعياد الكبرى. موعد يجدد فيه المواطن اللبناني عهده لنفسه بان يواصل ولاءه للوطن، ووفاءه لشهداء لبنان، واصراره على قيام لبنان السيد الحر والمستقل.

موعد ذاتي للمواطن مع مفهومه للحياة المطمئنة والاستقرار والطموح والركون الى حاضر يستظل هوية كيان صلب وقوي، ومستقبل شعب تسهر عليه دولة وظيفتها الاهتمام بنمو المواطن وتأمين الساحات الملائمة لطموحاته وحريته.

14 شباط موعد سنوي لاعادة شحن النفوس بايمان متجدد بأن الانسان اللبناني يستحق وطنا تماما كالوطن الذي كان في احلام الشهداء الذين صحيح انهم استشهدوا ولكن حلمهم الوطني طائر لا ينام ولن ينام وسيظل مرفرفا في كل المخيلات والقلوب. وسيدعو الجميع في 14 شباط من كل سنة الى حج من اجل لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل