14 شباط: الشهادة والوطن
قلما نجد في حياة لبنان مرحلة خلت من الاضطراب، والعنف، (الكلامي او العملي) والحرب، وجرائم الاغتيال. قد تكون هناك بعض الاستثناءات منذ العام 1920 حتى اليوم، الا انها قليلة، ما لم تكن نادرة، وهي في كل حال لا تكفي لتعديل الصورة.. تلك هي صورتنا، وذلك هو واقعنا: عنف فينا، بسبب مناخ التناحر الذي كوّنه نظامنا الطائفي الذي لا يوصف بشيء دقيق سوى بالتخلف. وعنف علينا بسبب عدم إقرار كثيرين من الأقربين والأبعدين بأن لبنان المعاصر الذي انشئ عام 1920 يحق له ان يكون دولة ووطناً اسوة بباقي كيانات المنطقة التي انشئت بعد اتفاقية سايكس ـ بيكو في سياق الحرب العالمية الأولى، وما اعقبها من كيانات جديدة ايضاً في سياق الحرب العالمية الثانية، وذلك على الرغم من معرفتنا الدقيقة ان كل هذه الكيانات تعبر عن حالة تقسيمية نفذها الاستعمار القديم، وتبناها الاستعمار الحديث، غير ان إحدى وسائل الرد على الاستعمار، هي عدم تقليده في المصادرة والهيمنة وفي الإمعان في التقسيم حتى يبلغ التذرير، أي بتعبير آخر، يجب العمل على قيام الدولة الوطنية في هذه المرحلة من حياتنا العربية بدلاً من مصادرة هذه الدولة تحت الشعار القومي، مثلما يجب العمل على بناء الوحدة الوطنية في كل كيان عربي في اطار انظمة ديموقراطية مدنية، ولكن كل ذلك لم يحصل، ولقد دفع لبنان اثماناً غالية جداً في هذا المضمار، وازداد غلاء هذه الأثمان بسبب الطابع الطائفي لنظامه السياسي الذي شكل المانع الأول والأشد خطورة بوجه قيام الدولة الوطنية المدنية التعاقدية الحديثة المستقلة، وعانى من ويلات النظرة اليه على انه جزء مقتطع يجب استتباعه، وكأن الدول العربية الباقية ليست في الأصل اجزاءً مقتطعة، وعانى ايضاً من انزلاق الشعارات القومية نحو المصادرة، ومن جفاف هذه الشعارات التي لم تشأ ان تنتبه الى ان الدولة الوطنية الديموقراطية ـ لا سيما بعد تغيير الجغرافيا السياسية على اثر سقوط الخلافة العثمانية ـ هي الممر نحو الدولة القومية الاتحادية القادرة على اعادة الوزن المضيّع للعرب ككتلة تاريخية موجودة في اهم النقاط الاستراتيجية في العالم، وبين اعظم الممرات المائية المتصلة بالبحرين: المتوسط والأحمر وبالمحيط الأطلسي، وبين القارات الثلاث آسيا وأوروبا وافريقيا.
لا مجال هنا لاستذكار المراحل التاريخية، فنحن في نطاق مقالة فقط، ولكن تأسيساً على ما سبق يمكن القول، ان المراحل التي مرّ بها لبنان الحديث منذ انشائه عام 1920 (اعلان غورو في 1/9/1920 من قصر الصنوبر في بيروت) كانت تجري فيها محاولات بناء الدولة الوطنية فتقابلها مشاريع تعطيل هذا البناء، وما زال هذا الصراع قائماً، وما زالت مشاريع التعطيل مستمرة، وهي تستند في الغالب الأعم على عنصرين خطيرين: محلي، يتمثل في النظام الطائفي، وخارجي يتمثل في محاولات الاستتباع والمصادرة بكل ما فيها من تقاطعات مصلحية عربية ـ اقليمية ـ دولية، بحيث تكون نقطة الذروة في التعطيل عندما يجتمع هذان العنصران في حدث واحد، فيستفيد العنصر الخارجي من تداعيات الانقسام الطائفي، وبروز السلطة على الدولة، وغياب العدالة الاجتماعية، ويعمل عندئذ ـ اي العنصر الخارجي ـ على استخدام لبنان ساحة للتنافس على النفوذ، ولتصفية الحسابات المتعلقة بقضايا المنطقة كلها، ابتداء من القضية الفلسطينية، وانتهاء بلعبة المحاور المتبدلة بحسب ظروف كل مرحلة وخصائصها، وعندما نتعمق في معنى الأحداث التي عشناها، والتي نعيشها، نلاحظ بدقة ان معظمها يجري متأثراً بهذين العنصرين، سواء اكنا في مرحلة تهدئة، مثلما هي الحال الان بعد اتفاق الدوحة (وعلى كل حال نعيش دائماً هدناً بين حروب) أم كنا في مرحلة تفجّر وتناحر مثلما شهد جيلنا الحروب في لبنان وعليه، وعلى العرب جميعاً من خلاله، منذ العام 1975 حتى وقتنا الراهن.
لم تكن تلك الحروب جبهات معلنة فقط، ولا خطوط تماس رسمتها النيران الطائفية والسياسية بين هذه المنطقة او تلك، بل كانت ايضا حرباً ضروساً في جبهات غير معلنة للناس، وغالباً ما كانت تفاجئنا عندما تعلن عن نفسها في لحظة وقوعها، بل في لحظة اشتعالها كي تكون شرارة لحروب جديدة. ولعل ابرز هذه الجبهات التي كانت تدور كثيراً في الظل قبل ان تنشر الموت في العلن، هي جرائم الاغتيال، ومحاولات الاغتيال، وهي كثيرة في لبنان منذ العام 1975. واذا رجعنا الى الوراء سنجدها ايضاً في الأربعينيات، وفي الخمسينيات. (اغتيال نسيب المتني مثلاً عام 1958).
نستذكر ذلك، ونحن نمر بالذكرى الرابعة لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ولكن ليس من زاوية استرجاع ميزاته ودوره، فالشهيد حياً على قيد الدنيا، او راحلاً عنها، ليس ميتاً، بل يزداد حياة، وتاريخه معروف لدى القاصي والداني، ولكننا نستذكر تلك الجريمة البشعة النكراء، لنقارنها بما سبقها، ولندرك بعمق ضرورة التمييز بين الاغتيال السياسي، والاغتيال الوطني؟ لقد كان المستهدف الاول من هذه الجريمة: لبنان، ومن هنا بالضبط، فالجريمة التي طالت الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليست اغتيالاً سياسياً فحسب، بل هي جريمة اغتيال وطني، وهي تستوجب القراءة دائماً على المستوى الوطني اللبناني، وليس على المستوى السياسي وحده، ذلك ان قراءتها على المستوى السياسي فقط تبقى قاصرة عن إدراك أبعادها، وتجعلها في إطار الاغتيال السياسي العادي الشبيه بالاغتيالات المتعلقة بالصراع على السلطة وهي ليست كذلك.
وعندما نقارنها ـ كما أشرنا انفاً ـ ببعض الجرائم السابقة التي عرفها لبنان، ـ وهي كلها متقاطعة بين استغلال الظروف المحلية والمؤثرات الخارجية ـ نكتشف أكثر فأكثر أهمية التمييز بين الاغتيال السياسي والاغتيال الوطني، وتبرز أمامنا امثلة عديدة لا مجال هنا لعرضها كلها. لذا نختار بعضها من مراحل مختلفة:
1 ـ جريمة اغتيال معروف سعد في صيدا، (أطلقت عليه النار في 26/شباط/1975 وفارق الحياة في 6/ آذار/1975) كانت فاتحة حرب أهلية في لبنان. وما زلنا نذكر موقف القائد الشهيد كمال جنبلاط الذي كان اول من أشار الى أن اصابع الفتنة استفادت من الاضطرابات السياسية الداخلية لتمتد الى لبنان، وليس الى صيدا ومعروف سعد فقط. (وهذا ما حصل لاحقاً).
2 ـ جريمة اغتيال كمال جنبلاط، (في 16 آذار 1977) وكانت عنواناً بارزاً لمشروع متقاطع محلياً وعربياً ودولياً يهدف الى ضرب تصاعد الحركة السياسية المستندة الى مبدأ القرار الوطني اللبناني المستقل. (وهذا ما حصل لاحقاً أيضاً).
3 ـ جريمة اغتيال رئيس الجمهورية المنتخب بعد اتفاق الطائف رينيه معوض (22 تشرين الثاني /1989) وكانت فاتحة انتكاسات كارثية في تطبيق الاتفاق المذكور، تلاحقت على مدى عشرين عاماً، ولا تلوح في الأفق القريب نهاية لها.
لقد حصلت قبل هذه الجرائم وبينها وبعدها جرائم أخرى كثيرة، وصولاً الى جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما أعقبها من جرائم، فما الذي يمكن أن يسجله المؤرخ، أو الباحث، أو المراقب السياسي، طالما ان الحقائق التفصيلية ليست مكتشفة، وطالما ان القضاء لم يقل كلمته؟
هذا السؤال يفرض نفسه، وبقوة مميزة معرفياً ومنطقياً، واذا كان القضاء لم يقل كلمته بعد، فان ذلك لا يحول دون الاستنتاج الذي نزعم انه صحيح (ومن الطبيعي ان يكون لغيرنا رأي آخر) وهو ان هذه الجرائم الكبيرة، كانت في حلقات متتابعة، ولأسباب عديدة، ولظروف متقاطعة داخلياً وخارجياً، ـ كانت ـ تستهدف لبنان /الوطن، ولبنان/ الدولة المستقلة، وكانت تريد ابقاءه لبنان /الكيان المتنازع عليه، ولبنان/ الساحة التي تستوعب تصفية الحسابات وتدفع الأثمان من دماء اللبنانيين، فضلاً عن حاضرهم وعن مستقبلهم القريب، وعن مستقبل أبنائهم البعيد.
الكارثة، الكارثة، الكارثة، هي أن لا نقرأ الأبعاد الوطنية في هذه الجرائم السياسية الخطيرة، فماذا الذي نتعلمه من شباط/ آذار 1975 (استشهاد معروف سعد) ومن آذار 1977 (استشهاد كمال جنبلاط) ومن تشرين الثاني 1989 (استشهاد الرئيس رينيه معوض) ومن شباط 2005 (استشهاد الرئيس رفيق الحريري) ومن استشهاد غيرهم، ومن ضحايا الحروب، ومن تجارب الارتهانات والمصادرات، ومن الاعتداءات الاسرائيلية 1978, 1982, 1993, 1996 و2006, ما الذي نتعلمه من كل ذلك؟
الجواب، مطلوب من القوى السياسة جميعاً بلا استثناء. انه التحدي الأساسي. ولا قيمة ـ في تقديرنا ـ لما يسمى حواراً وطنياً من دون التركيز على صياغة هذا الجواب، بل بصياغة هذا الجواب يكتسب الحوار فعلياً صفة "الوطني"، بدلاً من أن تظل هذه الصفة لولباً لفظياً مستخدماً للاعلان الدعائي السياسي فقط.
اذا اردنا فعلاً ان نصل الى هذا الجواب، فلا بد من بناء الوطنية اللبنانية متحررة من الطائفية ونظامها السياسي، ومن أوهام الطوائف وارتهاناتها الخارجية، ولا بد من بناء الدولة المعبرة عن تعاقد وطني مدني بين اللبنانيين، والمعبرة عن وطن مستقل لا عن "بيت بمنازل كثيرة" كما يقول المؤرخ كمال صليبي.
مثل هذه الوطنية اللبنانية هي المدخل الحقيقي لبناء الدولة الوطنية المستقلة، وهي بتكوينها في بيئتها التاريخية والجغرافية ليست ضد الانتماء العربي ولا يمكن ان تكون، ولا يزايدّن احد في ذلك، فهذا هو واقع الكيانات العربية/ الدول ومن حق لبنان أن يكون دولة مستقلة مثل اي دولة عربية، ولا شك في أن بقاء لبنان سيظل مهدداً ما لم تنشأ فيه الدولة الوطنية المستقلة التي لا يجوز أن تتأخر أكثر من العقود التسعة التي تأخرتها حتى الآن، وإلا فإننا سنبقى في دوامة اغتيال الوطن، من خلال هذه الجريمة أو تلك.
انّ بين الشهادة والوطن مسافة حياة لا موت. هذا ما يجب ان نقرأه بتمعّن عندما نستذكر اليوم شهادة الرئيس رفيق الحريري وعندما نستذكر كل يوم كل شهداء لبنان.