رفيق الحريري: غَرسَ فينا أثراً طيّباً
سنة جديدة تحمل إلينا الرابع عشر من شباط، وذكراه لا تنطوي.
تعيش فينا لحظة بلحظة، وحركة حركة، وفكرة فكرة، ولا نلتقط نفساً من أنفاسنا، إلا ونجد صورته تتجسّد أمامنا، فعلاً قوياً لإرادة الثبات ومواجهة الصعاب والنهي عن اليأس.
في الرابع عشر من شباط 2005 فجّروه في قلب بيروت، فانفجر رفيق الحريري في قلوبنا جميعاً.
غَرسَ في كل واحد منّا، نحن اللبنانيين من أقصى الشمال الى أقصى الجنوب، ومن حقول البقاع الى شواطئ العاصمة، غَرس فينا أثراً طيّباً من سيرته ونجاحه وكفاحه وأخلاقه وأبوّته وسلامة سريرته.
في السنة الرابعة، أشعر كما لم أشعر به في أي يوم آخر. أراه بيننا في صفوف العائلة، يعانقنا فرداً فرداً، ويغدق على الصغار منّا بفيض القبل. يمسح عن جباهنا إشارات التردّد ويشدّ من أزرنا خشية أن نضعف أمام المحَنْ.
أراه يتقدّم الرايات والأعلام في ساحة الحرية، يقف تحت المطر ويشرّع صدره للهواء البارد، ويصرخ على أنغام الناس، يغني معهم نشيد الوطن والحرية والعيش المشترك، ويخطب فيهم أن يبقوا موحّدين الى أبد الآبدين، كي يستودع الله سبحانه وتعالى، وطننا الحبيب لبنان، ويرحمه من شرور الطامعين بأمنه واستقراره وقراره الحرّ.
نعم، رفيق الحريري سيكون بيننا اليوم، ومعه باسل فليحان وكل الرفاق الأحباء الذين سقطوا في 14 شباط.
سترون هامة الرئيس الشهيد تعلو وسط الحشود، هنا على مقربة من تمثال الحرية ومسجد محمد الأمين، وهناك أمام مدخل كنيسة مار جرجس، وهنالك عند بوابات البحر وقلعة النهار، يتغلغل مع سمير قصير وجورج حاوي وبيار الجميل ووليد عيدو وانطوان غانم وفرنسوا الحاج ووسام عيد وسامر حنا وتلك السلسلة الطويلة من شهداء الحرية والسيادة وانتفاضة الاستقلال، يتغلغل في صفوف المتقاطرين من سهول عكار والضنية والمنية ومن أحياء الفيحاء الوفية وكل الشمال الوفي في الكورة وزغرتا والبترون والقلمون.
سترونه في عيون الناس الطيّبين من جبيل وكسروان والمتن الشمالي والمتن الجنوبي، يرفع معكم ومع كل الشهداء، قبضات الانتصار للبنان، ويلوّح مع أهل بعبدا والشوف والإقليم وصيدا وكل الجنوب، أعلام الولاء للوطن والتمسّك بوحدة أبنائه.
سترونهم جميعاً، اليوم في 14 شباط، هنا في قلب بيروت، حبيبة رفيق الحريري، والمؤتمنة على مسيرته، وحاضنة انتفاضة الاستقلال، ورمز وحدة اللبنانيين وصلابتهم في مواجهة التحديات.
سترونه مع أهل البقاع الغربي وراشيا والبقاع الأوسط والبقاع الشمالي، وستتأكدون في هذا اليوم، أن رفيق الحريري هو حيّ في كل واحد منا، وأن دماء الشهداء الذين سقطوا معه وبعده في مسيرة القرار الوطني الحرّ المستقلّ، لن تذهب هدراً، وهي كما كانت في الرابع عشر من آذار عنواناً لانتصار لبنان على سياسات الهيمنة والتسلّط، ستكون، بإذن الله، هذا العام عنواناً لانتصار مفهوم الدولة ومواجهة مخططات الالتحاق بالخارج.
هذه هي ذكرى 14 شباط لهذا العام. ذكرى وطنية بامتياز، واستفتاء جديد على الدولة التي تريدونها. هل تريدون دولة ناقصة القرار الوطني أم دولة تمتلك حرية القرار في إدارة شؤونها؟
هل تريدون دولة تعمل عند الأنظمة والبلدان المجاورة والبعيدة، أم دولة تعامل الآخرين بمنطق الندّ للندّ والمصلحة للمصلحة؟
هل تريدون دولة سائبة أمنياً، تستعطي استقرارها من الداخل والخارج، أم دولة قادرة لا تنازعها جهة أو طائفة أو دولة أخرى على سلطتها فوق أرضها؟
هل تريدون دولة تواجه التحديات الاقتصادية والعلمية والاجتماعية بمسؤولية كاملة تحت سقف نظام ديموقراطي برلماني سليم، أم تريدون دولة خارجة على القانون الدولي وأصول النظام العام؟
اليوم في 14 شباط سنجيب عن هذه الأسئلة، وسنكمل الجواب في 14 آذار، وسنترجم هذا الجواب بإذن الله ورعايته في 7 حزيران.
وكما أصبحت المحكمة الدولية على الأبواب، وكما يفتح الأول من آذار أبوابه أمام حقبة رئيسية في سجل هذه المحكمة، أجد مع كل اللبنانيين أن روح رفيق الحريري، وأرواح كل الشهداء الأبرار ستلاحق القتلة المجرمين حتى النهاية، وستنتصر للبنان وحريته وتقدّمه وعروبته.