اليوم الأخير مع رفيق الحريري
في مثل هذا اليوم من عام 2005، وعلى جاري العادة في تلك المرحلة أيقظني جرس الهاتف السابعة صباحاً. كان الرئيس رفيق الحريري على الخط يسأل: "هل أنت نائم؟". وعلى جاري العادة في كل صباح من صباحات 2004 – 2005 كنت بالكاد أقدر على الكلام: "لا أبداً دولة الرئيس، أنا أتجهز للمجيء". وكالعادة كان الحريري يقفل الخط بكلمة "يلاّ"… هكذا كانت صباحاتي على مر الاشهر القليلة التي سبقت اغتيال رفيق الحريري، وحتى اليوم الاخير.
في السابعة والنصف كنت أدخل الصالون الخاص في الطبقة السابعة حيث كان اعتاد أن يرتاده باستمرار عدد من القريبين منه، كل في حقل اختصاص ومهمة محددة. بينهم على سبيل المثال لا الحصر باسل فليحان، مروان حماده (قبل محاولة اغتياله)، والاصدقاء غازي يوسف، غطاس خوري، هاني حمود، وبعض المستشارين.
وكان اللقاء حول الحريري الجالس في مقعد وثير عبارة عن قراءة في صحف الصباح والتعليق على آخر ما حصل في آخر الليل من حراك سياسي، فضلا عن تمرين كان الرئيس الحريري يجيده ويقضي بطرح سؤال أو فكرة أو مادة للمناقشة، فتدور حلقة الآراء عدة مرات. وكثيراً ما كنت أشعر أن الحريري قد كوّن رأياً مسبقاً، ولكنه كان يهوى ذلك التمرين الفكري الذي كان يدخل فيه محيطه.
في الثامنة والنصف كان الجمع قد انفضّ وبقي اثنان أو ثلاثة لتناول طعام الفطور في غرفة الطعام الخاصة في الطبقة نفسها. والحديث يتركز على الانتخابات وآخر الاحصاءات التي كان الحريري يطرب لسماعها، وخصوصاً في بيروت، الدائرة الثانية. وكان يفاخر في ذلك اليوم، أمام قلّة من المحيطين به، بأن مرشّحه عن المقعد الشيعي في تلك الدائرة، أياً يكن، سيحصل على ما يقارب 50 في المئة من أصوات الناخبين الشيعة، إضافة الى 90 في المئة من السنّة. وكان يعتبر أن هذه الأرقام تقدّم دليلاً ساطعاً على أنه قادر على الانتصار في الانتخابات في بيروت وفي بقية المناطق بالتحالف مع البطريرك الماروني والقوى المسيحية الاستقلالية، والنائب وليد جنبلاط، وذلك على رغم التضييق السوري الكبير، لا بل الحرب المفتوحة.
في التاسعة نزلنا الى مكتبه في الطبقة الخامسة، ومكثت هناك لبعض الوقت حيث كلّفني مهمة كانت تقتضي مني الاتصال بأحد المسؤولين السوريين الكبار لتحضير زيارة أقوم بها لاحقاً خلال النهار أو في اليوم التالي، لأنقل إليه رسالة شفوية أو مكتوبة (لم اعرف). وكان سبق لي خلال الأشهر الستة التي مضت القيام بزيارات عدة لدمشق حاملاً رسائل شفوية من الحريري الى القيادة السورية من خلال قناة رفيعة المستوى اشتهرت بسوء علاقاتها الدائمة بالحريري، ونقلت في المقابل ردوداً على الرسائل قبل التمديد وبعده. واللافت يومها أن معظم قنوات الاتصال بين الحريري ودمشق كانت انقطعت بعد التمديد. والرئيس كان يرغب من خلال تلك القناة غير التقليدية أن يحول دون القطيعة التامة في وقت كانت تتجمع أمامه معطيات ومعلومات عن نيات سورية شديدة السوء حياله عكسها أكثر من مصدر ومسؤول خارجي. وكان باسل فليحان الذي عاد من إجازة عائلية في جنيف يوم الاحد في 13 شباط الى بيروت نقل الى الرئيس الحريري معلومات حصل عليها من مصدر دبلوماسي أممي ليل السبت في باريس تفيد بوجود قلق لدى الأجهزة البريطانية التي رصدت حركة اتصالات وتحركات في العاصمة السورية فسّرتها بأن ثمة شيئا ما يجري التحضير له انطلاقاً من العاصمة السورية، إضافة الى تحذيرات الرئيس الفرنسي جاك شيراك في اتصال أجراه معه ليل الجمعة، ومناخ أسود نقله الموفد الدولي تييري رود – لارسن مساء يوم الخميس بعد لقائه الرئيس السوري بشار الأسد. وعزّز كل ذلك مخاوف الحريري من أن التطمينات التي كان يحصل عليها دورياً من جهات دولية، ليست كافية.
أجريت الاتصال قرابة العاشرة صباحاً بمكتب المسؤول السوري، وكان غائباً فتركت رسالة مفادها أني أنوي زيارته في اليوم التالي.
في الثانية عشرة توجّهت الى ساحة النجمة، وجلست في مقهى "كافي دو ليتوال" أنتظر رفع جلسة مناقشة قانون الانتخاب الذي كان الحريري يحضره. ومعلوم أن عدداً من الزملاء الصحافيين كانوا هناك. وسبق ان روى بعض الزملاء كيف خرج الحريري من المجلس مع باسل فليحان وجاءهم الى المقهى. فسألني الحريري عما إذا كنت أجريت الاتصال. فقلت له إني أنتظر الموعد الذي سيكون في اليوم التالي، فقال لي: "وافني إلى المنزل بعد السادسة، وليلاً نجلس وأبلغك الرسالة التي ستحملها".
غادر الحريري ومعه باسل في الثانية عشرة والدقيقة الخمسين، وما هي إلا دقائق حتى دوّى الانفجار الكبير الذي حطّم زجاج شارع المعرض، وكنا، ونسمع مذهولين. ولما رأيت سحب الدخان تتصاعد من الغرب، قلت كلمة واحدة: الحريري… وهكذا كان.
في المساء، وبعد أن انتهى كل شيء وعدت الى منزل قتلوا صاحبه… تجمّدت الدموع في عينيّ من شدة الغضب ومرارة الحرقة. ومنذ ذلك اليوم اعتبرت نفسي مجنّداً لقضية شهيد الاستقلال… وبعدها ترسّخ الغضب والمرارة أكثر وأكثر في نفسي يوم اغتيال جبران تويني في 12 كانون الأول 2005.
اليوم أقول إن الغضب والمرارة هما أكثر رسوخاً من أي وقت مضى. ولكن أقول ايضا إن الانخراط في معركة استكمال الاستقلال، وتثبيت السيادة، وبناء مشروع الدولة ليس قراراً عاطفياً، بل هو نتاج اقتناع راسخ تكوّن عندي، وأعترف لرفيق الحريري ووليد جنبلاط وجبران تويني بدورهم الرئيسي في غرسه في نفسي، تماماً كما غرسوه في نفوس ملايين اللبنانيين في لبنان والانتشار. لذلك أقول اليوم: لن أنسى ولن أسامح.