لا نقول وداعاً بل لقاء
كل عام يأتي 14 شباط لنستعيد به في الرئيس الشهيد رفيق الحريري كل الآمال والاحلام التي مثلتها مسيرة رفيق الحريري كظاهرة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي منحت مساحة من الآفاق الواسعة لجيل ضاق به الزمن.
لقد كان الرئيس رفيق الحريري روحاً من التفاؤل الدائم في نظرته الى نفسه وفي نظرة من حوله الى الغد القريب، لذا كان في حركته السياسية فوق التيارات المصنفة. أقول "حركته" لأنه كان يرى السياسة طريقاً الى حل المشكلات في المعيار السياسي والوطني.
من هنا كان الرئيس رفيق الحريري فوق حدود الحزبية لأن ثوابته التاريخية والحضارية هي ثوابت مشتركة بين جميع الاحزاب، لذلك لم يعرف الحقد ولا التفت سمعاً الى السجالات الجارية التي كان ضعف الحجة يغري بها. ومن هنا صح فيه ما كنت أقول له دائماً: أنت في حركتك أرسيت مناخاً يتنفسه الجميع في زمن ضاقت فيه الصدور واشتاق العبور فيه الى مفهوم الدولة.
في 14 شباط اليوم 2009 نستعيد هذه المعاني جميعاً أقوى مما مضى لنمنح العهد الجديد مع فخامة الرئيس ميشال سليمان وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة شيئاً من تلك الروح التي استقطرت ارجاء الوطن الى ساحة الحرية يوم اغتاله الإثم وما حاك في الصدور.
لقد كان اغتيال الرئيس الشهيد صدمة استفاق الوعي فيها من خدر الغياب والاستكانة الى الواقع القائم، الذي يصح فيه المثل "تقاسموها وانت نائم".
لقد فاجأ الحشد العفوي الكلمات التي اطل بها رجال السياسة، فضاعت الآفاق إلا جذوة من ألم الحزن في خنساء المحنة السيدة بهية الحريري، التي اعطت بحسها في روح الشهيد لكل مصيبة جرحها ولكل قيمة وزنها ولكل مسؤولية وطنية مداها البعيد في مفاهيم الجغرافيا السياسية.
لقد بدت والهول كبير والجموع غاضبة كأنما رفيق الحريري يطل على الجموع ليقول ويردد لا نقول وداعاً بل لقاء.
كانت هذه روح رفيق الحريري في كل اتجاه، و14 شباط 2009 هي اليوم دعوة الى ذلك اللقاء الذي يودّع الماضي في مسيرة عهد جديد صقلته الاحداث والايام وتشابك المصالح وتدافع المخاطر التي توشك بوحدة الدولة والوطن، وما أمر عام 2008 عنا ببعيد.
لقد بدأت في ساحة السجالات السياسية بورصة الشعارات السياسية التي تشبه بورصة الحسابات الرقمية في عالم المال والتي كشفت عن وهم ما خلفها صفر الخزانة واليدين معاً.
لذا وقبل أن يدرك الجميع استحقاق الكارثة على الجميع ان يبادروا ليستحقوا وطنهم.
هذا الاستحقاق الذي ايقظ الروح يوم سقط الشهيد في 14 شباط والشهداء الذين تعاقبوا من بعده فكان ذلك منعطفاً في التجدد الوطني وهو يوشك اليوم ان يضيع في متنازع الصراعات الاقليمية والدولية.
فالانتخابات هي خطاب للجميع، وحذار ان يجمع كل فريق من حطب 2008 وما قبلها ما اجدب الارض فأيبس الزرع.
فالمخاوف من سوء الاداء السياسي اليوم، ثم فوضى الاستراتيجيا الدفاعية وسلاح المخيمات والمقاومة قد اقلقت اصحاب الحكمة لتحذر من مغبة الصراع على الدولة بدلاً من التنافس لمصلحة المواطن.
فبدعة التوافق بين احجام المذاهب في ادارة الدولة قد اضاعت رسالتها. اذ حينما تموت الافكار، كما يقول الفيلسوف الالماني جوث، تأتي كلماتها فوراً لتحل محلها… وهنا لما يعد سوى الكلمات من غير روح لتثير الخصام.
ان مشكلة الوطن اليوم هي في سوء السياسة حينما تستعلي الشعارات على مضامينها وتصبح كراجمات الصواريخ تفجر الاحقاد في موازين الاداء الاجتماعي.
ان هذه المشكلة الغائية احياناً في تقويمنا للأمور قد اضرت، ليس جمهور المجتمع فحسب، بل في نخبته ايضاً حينما تمارس هذه النخبة المسؤولية السياسية.
وهكذا تصاب السياسة والفكر والرؤية الجامعة بوهن الازدواجية الشخصية.
من هنا لا بد من ان نعطي مفهوم "الوسطية" معناها في لغة السياسة كما في بناء الدولة.
فالوسطية في معناها هي "الحصاد" في النهاية، لأن واسطة العقد هي الأغلى ثمناً بما تشكله من حصاد لقيمة حبات العقد حولها. انها ليست توافقاً، بل اتفاق مسار في خيط جامع لمختلف التعدديات، سياسية كانت او مذهبية او فكرية. انها ذلك اللقاء المتواصل نحو حصاد الجهود في جمال الدولة، واسطة العقد، الذي لا وداع فيه، بل تضامن بألق الانتاج والابداع وتعاقب السلطة.