… يفتقد لبنان مواقفه الوطنية الحكيمة
كان الهدف من اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، القضاء على مشروعه باقامة دولة المؤسسات القوية والعادلة على التراب الوطني كاملاً. أدى الاغتيال الى انقسام وطني وتدهور أمني وركود اقتصادي وتقويض بنيان الدولة وتعطيل مؤسساتها الدستورية واضعاف قرارها الوطني. وتعدت تداعياته الساحة اللبنانية الى المنطقة العربية والعالم، لما كان يتمتع به الرئيس الشهيد من زعامة وطنية كبيرة ومكانة عربية نافذة وعلاقات دولية متينة.
كان لبنان، عندما تولى الرئيس الشهيد رفيق الحريري السلطة التنفيذية فيه عام 1992، دولة صغيرة مفككة ومدمرة بعيدة عن الاهتمام العربي والدولي. فأعاد اعمار بنيته التحتية وفق الطرق الحديثة، واعاده بفضل علاقاته الواسعة، الى واجهة الاهتمامات العالمية، حتى اصبح يحتل مركزاً مالياً وسياحياً وخدماتياً متقدماً في المنطقة العربية. وسعى الى تعزيز العيش المشترك بين اللبنانيين وترسيخ الوحدة الوطنية على قاعدة الولاء للوطن، والارتقاء به من دولة ضعيفة فقيرة في مواردها الطبيعية، الى دولة قوية بفضل كفايات أبنائها وامكاناتهم المالية والاقتصادية والفكرية والثقافية والابداعية.
كان الرئيس الشهيد رجل دولة من الطراز الرفيع، وعنواناً للاعتدال والوسطية. كان يرفض التحدي ويبحث دائما عن مخارج للقضايا الشائكة باستعمال الحكمة وتدوير الزوايا والجمع بين المتناقضات. وكان يفضل ان يدفع من اعصابه وثروته على أن يدفع لبنان من سلمه واستقراره، نقيضاً للزعامات الحالية التي لا تتورع عن حرق لبنان في سبيل مصالحها الضيقة.
كان رفيق الحريري يحض على الخطاب الوطني الجامع والابتعاد عن الخطاب الفئوي والطائفي، ويرفض التقوقع في طائفته ويكره توصيفه بالزعيم السني، لأن ذلك يحجّم من موقعه الوطني ودوره السياسي، وخير دليل على هذا التوجه الوطني تقديمه، قبل دخوله المعترك السياسي، المساعدات المالية والمنح الجامعية لآلاف اللبنانيين من مختلف الطوائف والمذاهب.
كان الرئيس الشهيد سياسياً معتدلاً ورمزاً للكرامة الوطنية وعنواناً للشهامة العربية، وقد استثمر علاقاته العربية والدولية الواسعة في خدمة وطنه الشغوف بحبه، حتى اصبح اسم لبنان مرادفاً لاسمه، ما جعل اللبنانيين الذين يعيشون ويعملون في بلاد الاغتراب يستفيدون من شهرته ونفوذه لتيسير معاملاتهم وتنشيط اعمالهم.
كان رفيق الحريري صاحب قلب كبير وفكر متوقد وعاطفة نبيلة ورجولة شامخة وشخصية آسرة ووقفة صلبة وقيم رفيعة. كان حكيماً في قراراته الوطنية وحليماً في تعاطيه مع الآخرين وصبوراً في تحمل أذى الغادرين. كان يجسّد صفاته الحميدة العديدة الشخصية. اما قيادات اليوم، فانه يفتقد بعضها الى أصول الأدب في المخاطبة حيث تطل علينا اسبوعياً متوترة الاعصاب وعالية النبرات، مهددة كل من يخالفها الرأي بقطع لسانه وكسر يده، غير مبالية بسلبيات تصرفاتها على الوضعين السياسي والأمني في البلاد، بينما كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري داعية محبة ووفاق، يتغاضى عن اساءات اخصامه ويعض على جراحه في سبيل مصلحة لبنان العليا.
اسس الرئيس الشهيد تياراً سياسياً يدعو الى المحبة والتسامح والاعتدال السياسي ونهائية الكيان اللبناني والعروبة الحضارية البعيدة عن الاصطفاف الطائفي والمذهبي. وسعى الى تحديث الدولة وعصرنة قوانينها وتحويلها من دولة تحكمها الاجهزة الامنية الى دولة يحكمها القانون. وأهتم، على رغم المعوقات التي وضعتها امامه سلطة الوصاية الراحلة، بتنفيذ مشاريع الرعاية الاجتماعية في مجالات الطبابة والاستشفاء والتعليم، ويتنعم اللبنانيون اليوم بخدمات المستشفيات والمستوصفات والمدارس الرسمية المنتشرة في كل الارجاء اللبنانية، وخير شاهد على انجازاته الكبيرة مجمع الجامعة اللبنانية في الحدث والمستشفى الجامعي في بئر حسن والمطار الدولي في خلدة والوسط التجاري في بيروت.
سعى الرئيس الحريري، قبل استشهاده، الى تشكيل تيار سياسي نيابي وشعبي يضم ممثلين لمختلف الطوائف، بهدف تحرير لبنان من الهيمنة السورية وتعزيز استقلاله وسيادته بالوسائل السلمية المشروعة، في ظل الحماية العربية والدولية للبنان. وقبل ان ينطلق التيار في معركته التحريرية، عمدوا الى اغتيال مؤسسه في يوم الحب العالمي، بطريقة وحشية تدل على قلوب مليئة بالحقد والكراهية، خوفاً على سيطرتهم وهيمنتهم على البلد من الاندثار. وتحول 14 شباط في لبنان من يوم الحب الى يوم الحزن على باعث نهضة لبنان الحديثة، والتصميم على متابعة مسيرته لاقامة الدولة القوية والقادرة على كل الاراضي اللبنانية. وانفجرت مع دمائه الطاهرة ثورة الغضب عند اللبنانيين ضد النظام المتهم، وأجبروه على الانسحاب من وطنهم، محققين بذلك حلم رفيق الحريري وطموحاتهم بتحرير بلدهم واستعادة قراره الوطني. وما زال امام اللبنانيين مشوار طويل لتثبيت الاستقلال الثاني الذي تحقق بدماء الرئيس الشهيد، يتطلب منهم الصمود ومواصلة النضال السياسي ضد أتباع النظام المتهم وحلفائه الذين يريدون ربط لبنان بالمحور الاقليمي وجعله ساحة لتصفية حساباته مع اخصامه، وتحمل مسؤولياتهم الوطنية باختيار الرموز السيادية في الانتخابات النيابية المقبلة، التي يتقرر على نتائجها هوية لبنان ومصيره.
تعقد المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه والجرائم المترابطة، اجتماعها الاول في 2 آذار المقبل، ونأمل في أن يؤدي انطلاق عملها الى "ترسيخ الاستقرار السياسي في لبنان"، وأن تكون انطلاقتها رسالة قوية الى العالم والى المرتكبين المحتملين "لجرائم كهذه" أن "ليس في امكانهم الافلات من العقاب" كما جاء في تصريح الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون.