يدركون ماذا يفعلون…
بيار نجم
كلّ يوم إسفاف جديد، وترّهات تصدر عن أفواه حمقى. نقرأ ونتعجّب كلّ يوم أكثر بمدى الإنحدار الّذي يمكن أن يوصل المرءَ اليه برنامج سياسيّ معوجّ وورقة تفاهم ولدت بعكس الطبيعة.
وكان صباح وكان مساء، وكانت افتتاحيّة أخبار تلفزيون البرتقالة، إفتتاحية أشبه بهبوب إعصار منها بافتتاح نشرة أخبار، طالت ممّن طالت بشتمها من يعتبره الكثير من مسيحيي لبنان والشرق والإنتشار رمزاً وركناً وصوت ضمير.
"مقلقٌ جداً هذا الخبر. لأنه يعني أن البطريركَ لم يعد يعي حقيقةَ ما يقول، ولا دلالاتِ ما يصرِّح، ولا مضمونَ ما يُعلن"، هو ما جاء على تلفزيون البرتقالة وعلى صفحة تيّار الإسفاف والتعيير، في معرض كلامهم عمّن أعطي لكرسيه ولمقامة ولشخصه مجد لبنان.
يوم كان البطريرك يدعو الى عودة صاحب الجلالة من منفاه المخمليّ كان يعي ما يقول، ويوم قال ان المسيحيّين قد اختاروا زعيمهم كان يعي دلالات ما يصرّح، ويوم أطلق شرارة معركة الإستقلال في بيان أيلول عام 2000 كان يعي مضمون ما يعلن. واليوم لم يعد يعي، لأنّه لم يتأقلم مع خيارات جلالته الطارئة، ولا يقتنع بمشروع القائد وحلفه الأعجمي الشاميّ، ولا يؤيّد خيار امتلاك حزب الثورة الإسلامية في لبنان بقرار الحرب والسلم وبألاف الصواريخ الموجّهة الى الخارج حيناً فترتد على الوطن دماراً، وعلى الداخل أحياناً، فتجتاح بيروت والجبل لتفرض خياراتها بحد سيف وبفوهات البواريد.
يوم قال في البيان التأسيسّي للبنان الإستقلال: "أما حان الوقت لتبسط هذه الدولة سلطتها فعليا ليشعر الناس بأنهم أصبحوا في حمايتها وليتشجّعوا ويعودوا إلى بيوتهم وعيالهم وأرزاقهم؟" كان يدرك ما يقول، واليوم لأنّه لا يؤمن بمقولة السلاح المقدّس صار غير مدرك؟
يوم قال: "وبعد أن خرجت إسرائيل، أفلم يحن الوقت للجيش السوري ليعيد النظر في انتشاره تمهيدا لانسحابه نهائيا" هلّلتم وأيّدتم ورقصتم فرحاً، واليوم تدافعون عن نظام، ويقول سيّدكم "أنّه بريء من التهم المنسوبة إليه" ويدعو الى معاقبة ثوار الأرز للإساءة بالعلاقات مع الشقيقة؟
ربّما امتعض العديد من بينكم يوم قال البيان: "وحرصا منا على توثيق أحسن علاقات الأخوّة بين لبنان وسوريا، وفي مطلع عهد فيها نريده لها زاهرا، نرى أنه قد آن الأوان لإعادة النظر في طريقة التعاطي بين البلدين بحيث يقوى أحدهما بالآخر، فيتكاملان تكاملا صحيحا، مفيدا لكليهما، وأن يعاد انتشار الجيش السوري في لبنان تمهيدا لانسحابه نهائيا عملا بالقرار 520، وباتفاق الطائف، وإبقاءً على ما بينهما من روابط تاريخية وجغرافية، وبين شعبيهما من وشائج قربى ونسب وصداقة ومصالح مشتركة. وفي اعتقادنا أن هذا هو السبيل الوحيد للحيلولة دون تفكك لبنان وزواله. وهو إذا كان متعافيا كان عونا لسوريا، وأما إذا ظلّ عليلا كان عالة عليها.
ونحن نريد له ما نريده لسوريا من عزة وكرامة وازدهار وسلام، واليوم جاء جنرال باريس يزايد ويعلن نفسه المطالب بحقوق مسيحيّي الشرق في زيارته لتقبيل أعتاب دمشق؟
عذراً نقدّمه ونطلب الإيضاح:
عذراً نقدّمه ونطلب منك قبوله يا من خطّ بقلمه السفيه هذه الإفتتاحيّة، عذراً لأنّ البطريرك لا يزال على موقفه منذ بيان المطارنة عام 2000، وقبلها منذ رفض زيارة أرض الشام ليبقي رأس لبنان مرفوعاً. عذراً لأنّه رفض زيارة براد ولبس عباءة سيادة الرئيس وزيارة دير مار مارون، فما نفع دخول دير مار مارون إن كان ثمنه حني رؤوس أبناء مارون المنتشرين في العالم كلّه أمام دكتاتور سفّاح، وما خير لبس عباءة الأخوّة والتعاون إن كان ثمن هذه العباءة جلب أبناء مارون الأحرار الى الخنوع تحت عباءة البعث الطارئ على سوريا مارون؟
والإيضاح نبتغيه من شاشتكم البرتقاليّة الملوّنة بألف حلف ولون، ما المطلوب من البطريرك ليضحي في نظركم مدركاً لما يقول؟ هل المطلوب أن يؤيّد سلاح المقاومة اليوم وهو القائل، كما قائدكم يوم قاد حربه العشواء على المقاومة المسيحيّة، أن حصريّة السلاح يجب أن تكون للدولة وحدها؟ هل تطلبون منه إعطاءكم بركته لتفاهم نشأ من روح انتقام ورغبة في الوصول، وما أوصلكم إلاّ الى إقحامنا جميعاً في دوّامة يورانيوم طهران المخصّب وجعلنا ورقة رابحة في يد بشّار يستعلمها في محادثات سلامه مع إسرائيل؟ هل المطلوب منه أن يصفّق لرؤية رموز الوصاية والهيمنة، من بعثي وقومي وناصرّي وشيوعيّ يجلسون الى يمين جلالة قائدكم الّذي لا يخطئ؟ ما المطلوب لتعود لغبطته القدرة على الإدراك؟ أن يعارض فكرة كتلة وسطيّة قد تعطي للرئيس المارونيّ موقعاً أقوى وقدرة أكبر على فرض رؤية المسيحيّين؟ بالله عليكم قولوا لنا لنفهم، هل ثمن رضاكم على البطريرك هو أن يعطيكم بطاقة بيضاء وتفويضاً أعمى؟
تطلبون منه عدم الإنحياز الى جانب فريق، وقد يُستجاب لطلبكم عندما تعودون الى خط الموارنة الأوّل، الخطّ الّذي حدى بالموارنة الى سكن الجبال الوعرة ليحافظوا على استقلالهم وحقّهم بالمعتقد وبالكلمة، وقدّموا دماءهم صوناً لها. وإن لم تريدوا أن تعودوا فهذا حقّكم، ولكن كفّوا عن محاولة ضرب البطريركيّة وتهميش دورها، فهي التي طالبت بعودتكم من منفاكم الباريسيّ المخمليّ، ولو أن العودة الفعلية قد أتت على أيدي من تتحالفون معهم اليوم وتبيعون دمكم للشيطان من أجل إتمام الصفقة. كفوا عن ضرب بكركي فهي مبنيّة على صخر، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها، فكيف إذا بطارئين على الموارنة، وبغلمان مرتهنين لطهران والشام؟
يا من تقدّسون حذاء منتظر الزيدي (بحسب واحد من نوابكم الكرام) إحترموا مقدّسات غيركم، يا من تنحنون أمام سيّد السلاح، إحترموا سيّد الموارنة، يا من تطلقون على أنفسكم لقب ممثّلي مسيحيّي لا لبنان فقط، بل الشرق بأسره، إعلموا أنّكم طارئون، مؤقّتون، والتاريخ سوف يعطيكم ما تستحقّون: النسيان، أمّا الجالس على كرسي مارون فيبقى، بمن يخلفه، صوت الضمير الصارخ، مثل يوحنّا مارون، وحجولا الشهيد، والحويّك صاحب الإستقلال الأوّل، يحافظ على استقلال أطلق هو شرارته الأولى. وأنتم، أين تكونون؟ عذراً لن نعذركم، لأنّكم تدركون ما تقولون.