لماذا يفقد الجنرال اعصابه؟
المحامي جورج ابو صعب
يطالعنا جنرال "الامر لي" منذ فترة بتصاريح ومواقف سياسية اقرب ما تكون الى نوبة انهيار عصبية لا يترك خلالها مجالا للصلح مع احد وصولا الى مخاصمة الكنيسة المارونية التي اعطي لها مجد لبنان والتي لطالما كانت ضمير لبنان وصرح الحكمة والوطنية عبر التاريخ.
في معرض قراءتي لكتاب بالفرنسية "هؤلاء المرضى الذين يحكموننا" والذي يروي كاتبه قصة عدد من زعماء ورؤساء العالم المعاصر، كـريغن وبريجنيف وسواهم، قصصهم الشخصية ومشاكلهم الصحية والنفسية – تذكرت – ولو ان المقام ليس بالمستوى نفسه، عماد "الامر لي" وظاهرة فقدانه في مواقفه الاخيرة اعصابه، واستنتجت انه ربما بدأ الجنرال يفقد اعصابه تمهيدا لفقد توازنه السياسي في الانتخابات النيابية المقبلة.
فمن جنرال "حرب التحرير" التي انتهت بالطائف… نسي الجنرال ان الطائف لم يكن الا نتيجة افعاله وتهوره السياسي الذي قاد وطنا وشعبا برمته الى حافة الهلاك والدمار من اجل "مسمار" عاد لقلعه هو من بعبدا بطائرات "السوخوي"، الى ان عاد في بداية العام 2009 وطلب من ابن من اراد اقتلاعه من لبنان الغفران والصفح. الى جنرال التحالف الواضح والمفتوح مع السوري واحفاده السياسيين في لبنان من قومي وبعثي وتوحيدي وصولا الى حزب الله وحركة أمل مع وقف التنفيذ لجهة الاخيرة حاليا… مراحل قطعها الجنرال نمّت عن نضج سياسي كبير في البهلوانية والانتقائية والمزاجية… والنفعية.
فجنرال "الامر لي" هو من اعلن حرب تحرير غير مدروسة وغير مدعومة وغير هادفة لا بل عبثية ضد سوريا في لبنان، ووقف في حالة عداء مع العالم كله ولم يدع صديقا او حليفا له… يثق به حتى ابو عمار… وايضا صدام حسين. لان هذين الرجلين سرعان ما ادركا تهور هذا الجنرال وانسداد افاق طرحه وحربه. وهو خالف بكل بساطة الدستور اللبناني وضرب التوازنات الوطنية: فارتضى ان يتحول من رئيس حكومة عسكرية انتقالية مهامها كما قالها هو الاعداد لانتخابات رئاسية الى دكتاتور طاغية يطرح نفسه رئيسا… واما الخراب.
وجنرال "الامر لي" هو الذي عندما التقى اللجنة العربية السداسية وتلقى منها وعدا ضمنيا بالتعاطي معه رئيسا للبلاد على اساس زعامته المسيحية للشرقية، عاد واعلن حرب الالغاء على القوات اللبنانية التي ابدت منذ اللحظة الاولى استعدادها للتحاور والاتفاق مع الجنرال على قاعدة "بمون الجنرال".
وقد نسي الجنرال الذي ادعى ويدعي الى الان انه كان يمثل مشروع قيام الدولة بدل الدويلات انه كان بحاجة قبل هذا الكلام ان يثبت دستورية حكومته ومشروعيتها تجاه الشارع الاسلامي الذي قاطعه والذي كان يدعم حكومة الرئيس سليم الحص انذاك.
كما نسي انه وفي سبيل تحقيق هدفه، لا بل شعاره، الدولة بدل الدويلات ان يبدأ بالميليشيات الغريبة في لبنان التي كانت تعيث فسادا واحتلالا لمرافق حيوية اهم من مجرد الحوض الخامس ومرفأ جونيه انذاك. فلو لم يكن هناك قوات لبنانية في حينه لكان من مصلحته ايجاد قوات لبنانية تدعمه وتقف الى جانبه في هجمته على الميلشيات الغريبة، وقد اثبتت القوات اللبنانية انها لم تقصر لحظة حينما دعاها الواجب الوطني الى التحالف معه في حرب التحرير المزعومة.
لكن الجنرال عرف كيف يغلف حقده القديم ضد القوات اللبنانية بغلاف الباحث عن الحق في ثوب الباطل وللاسف اقنع بعض اللبنانيين ولا يزال بصوابية قراره يومذاك. وكأن التاريخ انتهى هنا ولم يأت 13 تشرين الاول 1990 ليقلب المعادلات ويثبت للقاصي والداني عدم حقيقة وواقعية مشروع الدولة التي ادعى بها بل كانت بالواقع مشروع رئاسته هو للبلاد ولو على دماء الناس وخراب المرافق وانقسام البلاد.
وجنرال "الامر لي" هو الذي سعى الى قانون محاسبة سوريا وهو الذي قدم اطروحة مطولة حول سوريا واطماعها التاريخية في لبنان وعدم اعتراف النظام البعثي في دمشق بوجود لبنان الدولة السيدة والحرة والمستقلة. ليعود بعد عودته الى لبنان ويعتبر ان سوريا وبمجرد انسحابها العسكري من لبنان لم تعد في حالة عداء معه. فاصبح القومي السوري والبعثي الاشتراكي وحزب الله احزابا وطنية في الصميم لبنانية المنشأ والاهداف والفلسفات والسياسات، واكثر من ذلك: على اللبنانيين الاعتذار من سوريا… على جثث جنود وضباط الجيش اللبناني الذين سقطوا في 13 تشرين الاول 1990 وعلى جثث شهداء ثورة الارز و 14 اذار… الذين دفعوا حياتهم ثمنا لخيانة العماد عون لقسمه… لا بل لنفسه وقناعاته… اذا ما وجدت يوما.
وجنرال "الامر لي "هو الذي يتنقل من اعتبار حركته لبنانية جامعة الى اعتبار تياره مدافعا عن المسيحيين ومؤتمنا على حقوق المسيحيين وممثلا لـ 70% منهم وفي الوقت عينه يهاجم ويعادي بكركي، ويهاجم ويعادي القوى المسيحية في لبنان ويحاول اضعافها لمصلحة حلفاء سوريا في لبنان من خلال اكساب هؤلاء الغطاء المسيحي لقرارات وسياسات خارجية مرتهنة لسوريا وايران. وهو الذي ينقل عنه مقربون منه ومستشاروه من انه لا يأبه لما يريده الناس لانه يعمل بقناعاته في رد على انتقادات حول زيارته سوريا. واذا به ينتفض ويغضب من ثم لتدني شعبيته المسيحية بحسب ما يرده من استطلاعات رأي على طاولته…
وجنرال "الامر لي" هو الذي تبجح على الدوام في الماضي بانه ابن المؤسسة العسكرية والانضباطية من اجل لبنان زودا عن الوطن، اذا به اليوم يدعم الميليشيات الخارجة عن الوطن والاحزاب الخارجة عن الوطن والعقائد الخارجة عن الوطن. واكثر من ذلك وزيره المهندس جبران باسيل يخفي عن الجيش والقوى الامنية المعلومات الامنية والاستخبارية التي من شأن الافصاح عنها حماية لبنان وامن اللبنانيين وسلامة البلاد…
وجنرال "الامر لي" الذي لا يرى شيئا ايجابيا في 14 اذار… لان خطأ 14 اذار الوحيد عند الجنرال كان انها لم تقبل بان يكون رئيسها والامر الناهي فيها. حتى انه لا يجد نفسه معنيا بالبحث والمطالبة عن الموقوفين والغائبين اللبنانيين في السجون السورية والمعتقلات المظلمة في دمشق وهو في الوقت عينه يشد على ايدي حزب الله وامينه العام الذي يطالب بالحقيقة حول اختفاء الديبلوماسيين الايرانيين منذ اكثر من عشرين سنة. ويؤيد ويدعم تحرير الاسرى من السجون الاسرائيلية، ويعتبره انجازا وطنيا للحزب الحليف وليس للبنان ككل، وهو الذي اليوم يتطاول على غبطة البطريرك الكاردينال الحكيم والكبير لانه لم يقف الى جانبه كونه يعتبر نفسه من نفس مدرسة "الحق الالهي والالهام الالهي" في سياساته فلا يقبل ولا يتقبل نقدا ولا انتقادا ولا معارضة ولا صراحة مواقف: بل وكما المسيحيين الجدد في واشنطن ايام بوش "اما معنا واما ضدنا"، فتسقط المحرمات عندئذ وتسقط المقدسات كلها وتصبح حملة صليبية شعواء ضد صرح المسيحيين والقوى المسيحية الاخرى في 14 اذار ويتحالف مع الشياطين في سبيل غلبته دون وازع او رادع او وخذ ضمير… الى حد القبول بان يصبح السيد حسن نصرالله في مصاف القديسين المسيحيين ويرتل له على مذابح كنائس منطقة الجنرال دون اي اعتراض او انزعاج منه او من الغيورين في كتلته على مصالح المسيحيين وحقوق المسيحيين ومستقبل المسيحيين….
ففي ظل هذا الواقع وهذه الحالة التقلبية والانقلابية للعماد جنرال "الامر لي" من الطبيعي ان ترتفع وتيرة العصبية لديه اليوم عشية الانتخابات ويوما بعد يوم، ومن الطبيعي ان يكفر بالله اذا اقتضى الامر… فكل شيء يهون في سبيل وصوله الى الكرسي. وبعد ذلك قد يكون كاتب "هؤلاء المرضى الذين يحكمونا" قد قصّر… ولكنني شبه اكيد من انه سوف يعدل في نصوص الطبعة العاشرة بعد عامين او ثلاثة… ان اعتبر جنرال "الامر لي" عظيما…