المحكمة الدولية إنجاز مماثل للانسحاب السوري والطابع السيادي في الواجهة
حشود الذكرى الرابعة لـ14 شباط في قراءة لقوى الغالبية
حرصت قوى 14 آذار على ابراز دلالات وخصوصيات محددة هذه السنة للذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس رفيق الحريري في ساحة الشهداء، مستعيدة مشهد الحشد الضخم لجماهيرها وقواعدها الشعبية في مختلف المناطق، بما يثبت عمق الاثر الذي لا تزال الذكرى تحدثه منذ نشأة هذه القوى على اثر اغتيال الرئيس الحريري.
وتقول مصادر بارزة في هذه القوى ان خصوصية الحشد الكبير الذي جمعته الذكرى الرابعة يجب الا يحصر بالجانب المتعلق باقتراب موعد الانتخابات النيابية، مع انه عامل لا يمكن انكاره او اغفاله، ولكن سيكون من الخطأ في الحسابات السياسية الدقيقة حصره بهذا الجانب من دون التحقيق في عوامل كثيرة اخرى على غرار ما فعل بعض زعماء المعارضة وقوى 8 آذار بــاتــهــامــهــم قــوى الغــالبية بما سمي "توظيف" الذكرى في الاستعدادات الانتخابية.
وفي رأي المصادر البارزة في قوى 14 آذار ان الدلالة الاساسية التي اكتسبها الحشد الكبير الذي تدفق امس الى وسط بيروت تتمثل في شعور فئات واسعة من اللبنانيين بأن القضية التي فجّرت انتفاضة الاستقلال قبل اربع سنوات لا تزال ماثلة بقوة في الوضع اللبناني بما يقتضي التعبير مجدداً عن ضرورة الدفاع عنها والمضيّ في إظهار وجود تيارات شعبية كبيرة مستعدة للاستمرار في هذا الخط. فتحقيق انسحاب القوات السورية من لبنان الذي شكل الانجاز الاكبر لهذه الانتفاضة لم يوقف مسلسل الاغتيالات ولا حلقات الازمات السياسية والامنية والاقتصادية الذي واكب هذا المسلسل واستمر معه و"بعده"، علماً ان الخوف من استمرار المسلسل لم يتلاش بعد. واذا كانت الاشهر الثمانية الاولى من عهد الرئيس ميشال سليمان سجلت خطوات مهمة وملحوظة في إعادة لملمة مشروع الدولة، وإن عبر تسوية الدوحة التي اكتسبت طابعاً انتقالياً اضطرارياً، فان ذلك لم يحجب ما تعتبره هذه المصادر نزعة واضحة لدى قوى المعارضة ومن يدعمها في الاحلاف الاقليمية لممارسة "وصاية" داخلية على الحكم برزت في مفاصل عدة وأعادت المخاوف الى ذروتها من محاولات لاعادة النفوذ السوري المقنّع او المكشوف الى الوضع السياسي الداخلي.
وتضيف هذه المصادر ان الذكرى الرابعة لـ14 شباط، بكل ما شهدته من حشود ومواقف، دلّلت مرة جديدة على ان الطابع السيادي لا يزال يحتل الاولوية المطلقة لدى هذه القوى وقواعدها الشعبية، وان كل محاولات حرف الازمة الداخلية عن هذا الطابع باءت بالفشل بدليل ان هذه القضية لا تزال تقيم بعمق لدى فئات تتمثّل اليوم بالغالبية النيابية.
غير ان اللافت في هذا السياق ان المصادر نفسها تعتبر ان الحشد الكبير الذي نزل امس الى ساحة الشهداء لم يبعث برسالة الى الاطراف الآخرين فحسب من حيث إعادة رسم الخطوط الاساسية التي جعلته يقبل مرة اخرى على هذا الاستفتاء الشعبي، بل بعث برسالة مماثلة الى قوة 14 آذار نفسها. فالمصادر نفسها تقول انه ليس تطوراً عادياً ان تستجيب القواعد الشعبية عشرات المرات منذ 14 شباط 2005 وما تلاه من محطات للنزول الى التعبير السلمي والديموقراطي، وهو أمر يقتضي التوقف عنده كثيراً بما يعني تسفيه محاولات تصوير هذه الظاهرة كأنها مجرد توظيف سياسي. ولكن في الوقت نفسه تعترف المصادر بأن النزول هذه السنة الى ساحة الشهداء يستلزم قوى 14 آذار أن نكون على مستوى استجابتها هي لارادة قواعدها في ادارة المعركة الانتخابية من حيث اثبات قدرتها على تجاوز الخصوصيات والذاتيات بين اطرافها والاطلالة بعد شهر، في ذكرى 14 آذار، ببرنامج انتخابي وسياسي يكون عصارة تجربة 14 آذار منذ نشأتها، وكذلك توحيد صفوفها في اعلان لوائح انتخابية متــمــاســكــة ومــوحّــدة، وهــو اســتحقاق اساسي وجوهري تواجهه قوى 14 آذار وتتوقف عليه طريقة مقاربتها للمعركة الانتخابية التي تكتسب هذه المرة طابعاً مفصلياً ربما يــفــوق بــأهمــيــتــه انــتــخــابــات عام 2005.
أما في جانب آخر من قراءتها دلالات الذكرى الرابعة فتقول المصادر نفسها ان مسألة المحكمة الدولية التي تزامنت الذكرى مع اقتراب انطلاق عملها في الاول من آذار، أدت دوراً اساسياً في التحرك الشعبي الواسع بعدما أيقن الجميع ان المجتمع الدولي لم يتهاون او يتراجع، على رغم المسيرة الشاقة التي عرفها لبنان وتمثلت في توالي فصول الاغتيالات وافتعال الازمات التي كادت أن تؤدي به الى استعادة مناخات الحرب الاهلية، فهذه المحكمة باتت عنواناً مزدوجاً، كما تصفه المصادر، لتضحيات الشعب اللبناني التي فرضت مفاعليها على العالم من جهة، وصدقية الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في تحقيق العدالة ووقف مسلسل الاغتيالات من دون الاقتصاص من القتلة، من جهة أخرى. وينبغي عدم التقليل من الأثر الهائل لهذا التطور في دفع الحشود مجدداً الى هذه الظاهرة التعبيرية، مهما تكن العوامل الاخرى المحركة لها مهمة، اذ ان الشعور العارم بأن هذه الظاهرة تحقق انجازات استثنائية لا يقل حجماً وتاثيراً عن انجاز الانسحاب السوري الذي كان ثمرة انتفاضة هذه الحشود وما فرضته من صورة مختلفة للبنانيين على العالم، بحيث أحدثت مفاهيم جديدة في تعامله مع القضية اللبنانية. وليست المحكمة الدولية سوى اثبات حيّ جديد وقاطع لاستحالة عودة عقارب الساعة الى الوراء مهما تعاظمت المحاولات لتحقيق هذا الهدف المستحيل.