#adsense

البقاع والشمال خزان بشري كبير يصب في ساحة الشهداء

حجم الخط

البقاع والشمال خزان بشري كبير يصب في ساحة الشهداء

تقول السيدتان إنهما لم تشاركا في تظاهرة قبل اليوم. تقفان بجانب مبنى جريدة «النهار» وتلف واحدة منهما رأسها بعلم لبنان والأخرى براية «المستقبل» الزرقاء، وتتداخل اجاباتهما بلكنة بيروتية هادئة: «من حرقة القلب جايين، وفاء لرفيق الحريري». وعند السؤال عن مخاوف من النزول الى الشارع، تجيب احداهما وتوافقها الأخرى: «العمر واحد والرب واحد».

تبدو «مدام كبة» اكثر احتقاناً من رفيقتها نجلا. تقول إن ثمة شيئاً استجد واستدعى نزولها الى الشارع هذه المرة… «احداث 7 أيار الماضي». وتروي: «كسروا زجاج بيتي، وجابوا الشوارع يغطون وجوههم بالأسود، وينادون بمكبرات الصوت: اذا في رجال ينزلوا. عيب أن نقارنهم بالمحتلين، لكن من احتلوا بيروت قبلهم لم يفعلوا بنا هذا. لذلك نزلنا». ثم تضيف رفيقتها: «ابن بيروت لا ينزل الى الشارع بسهولة. لكن ما حصل بحقنا كان مؤذياً. ان شاء الله سنعيش وسنرى بلدنا كما نحلم به متسامحاً غير متعصب». تتحدث السيدتان عن الرئيس الراحل رفيق الحريري بحرقة، وعن المعارضة باستغراب: «في قرارة أنفسهم هم يحبونه. ألم ينزلوا الى الشارع يوم استشهاده؟ بالنهاية هم لبنانيون، لكن الاموال من الخارج تعمي البصيرة».

تغيب عن الذكرى الرابعة لاستشهاد الحريري الهتافات والشتائم من صفوف المؤيدين المنتشرين على الساحة الممتدة من الصيفي حتى جريدة «النهار» والجهة المقابلة للضريح. ومع حلول الظهر تغيب أيضاً لافتة كانت مرفوعة صباحاً وعليها: «لا للفرس ولا للبعث. المحكمة الدولية… عدالة للجميع». ويكاد كلام الجميع هنا يتركز حول عبارة واحدة: «أتينا وفاء لرفيق الحريري».

موقف بيال البحري مخصص للحافلات والسيارات الآتية من البقاع وجواره. أمام المنفذ الموصل منه الى وسط بيروت ترتفع صورة كبيرة لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، عليها: «رجل المواقف حامي العروبة والاسلام». وبين أيدي الحشد البشري المتدفق تتكثف أعلام لبنان ورايات المستقبل و «القوات اللبنانية» وصور الحريري وراية للجيش اللبناني.

الساحة هنا بقاعية صرف. يختلط فيها الآتون من بر الياس والمرج وسعدنايل وشتورة وجوارها. ومعهم يستحضرون طرقهم الخاصة بالاحتفال: دبكة بقاعية على وقع أناشيد مستوحاة من ثورة الارز وقادتها، ترفدها هتافات باسم البلدات المشاركة: «من المرج وقب الياس، محلك مرفوع الراس. ومن جبالك يا عرسال، بس ودي منك مرسال. ومن بعلبك ومن عكار، رح نمحي كل الاشرار. ومن المجدل لشتورة جينا نحيي السنيورة. وأقول لك من بر الياس، تسلم لي يا احلى الناس». مقابل «الدبيكة» يقف بقاعي من «الكتائب اللبنانية» بسترة عليها: «بدا تضل جراسنا تدق». الشاب لم يغب عن أي اعتصام سابق لـ14 آذار فـ «قناعاتنا لم ولن تتبدل». وبجانبه يلفّ آخر جسده بملاءة زرقاء عليها عبارة مستوحاة من العبارات التي ترافق اجمالاً ذكرى عاشوراء: «لا يوم كيومك يا أبا بهاء».

الشمال كما البقاع خزان بشري هائل يصب في الساحة. الصورة أمام بيت «الكتائب» المركزي تعيد إلى الأذهان صورة 14 آذار 2005. حشود تتقدم تليها أخرى ويتصل بعضها ببعض وصولاً الى الدورة. هناك موقف الحافلات الآتية من مناطق الشمال، وسيل الاجساد التي اجبرت على السير مسافة طويلة للوصول لم ينقطع الى ما بعد انتهاء الاحتفال.

«عكار يمكن أن تسرق كل بيوتها اليوم. لا أحد هناك يحرسها»، يقول شاب وصل للتو من المنطقة. انطلق مع رفاقه عند السادسة صباحاً ووصل عند الحادية عشرة ظهراً. يروي أن من كان له أقارب في بيروت أمضى ليله في ضيافتهم، ليلتحق بالمعتصمين في الصباح، والآخرون انطلقوا باكرا و «لم يبق في عكار الا العاجز كلياً، أما المريض فجاء معنا». بين الحشد امرأة محجبة تحمل طفلاً رضيعاً، وتمسك بيدها طفلة صغيرة. تستغرب السؤال عن مشقة المشوار من المنية: «هذا اليوم مهم جداً بالنسبة الينا، ننتظره كل عام. حتى أننا لم نتمكن من النوم جيداً خلال الليل، لأننا موعودون بالمجيء». بجانبها تسير حاجة أنهكها التعب، فاستراحت على احدى البسطات الكثيرة المنتشرة هنا لبيع العصير والسندويشات والمياه للمشاركين. احدى البسطات أقامها رجل وزوجته منذ ليل اليوم السابق. ترتدي الزوجة قلادة عليها صور القديسين، وتقول انها تؤدي غاية مزدوجة: «نبيع الشندويشات ونشارك في الوقت نفسه».

يتواصل تدفق الوفد من الضنية وبشري والبترون وطرابلس وأماكن شمالية كثيرة. وتتشابه أسباب المشاركة عند الجميع تقريباً: «الشيخ سعد شيخنا»، و «14 آذار قضيتنا» و «نازلين كرمال دمعتو». وتحت علم كبير لـ «القوات»، يجلس أفراد عائلة صغيرة من بلدة عبرا في الجنوب. والد ووالدة وشاب وطفلة. «اتينا لأننا نريد أن نعرف الحقيقة»، يقول الوالد، ثم تكمل الزوجة: «لنضع حداً للاغتيالات ولتثبيت هوية لبنان»، وتضيف: «هذا شكل من أشكال مقاومتنا التي وجدت عبر الاجيال، وبمسميات كثيرة. نحن ضد أي أذى يلحق بلبنان».

مع بدء خطابات السياسيين تضيق الساحة بمن فيها، فينعدم أي مجال للدخول أو الخروج. يقف رجلان كل منهما بقبعة مكتوب عليها باللغة الارمنية. «من حزب الهانشاك»، يقول نيكولا شوكاكليان، ويفسر بعربية متقطعة: «نحن مع حريري. نحن معه أيام مرة وأيام منيح. مش أنو وقتي». عندما استشهد الحريري نقل الرجل الى المستشفى و «عملت عملية قلب مفتوح واليوم أتيت أشارك».

تترافق كلمات السياسيين على المنصة مع استمرار تدفق الوفود من الشمال وجبيل والبقاع. ومع انتهاء الاحتفال يشق رجل بلباس رياضي طريقه بصعوبة الى حيث المنظمين. «كيف بدي اوصل عالضريح؟»، يسأل، فيجيب أحدهم بأن هذا ممنوع اليوم. يهز الرجل رأسه بما معناه أنه تفهم دقة الوضع، ويطمئن العنصر: «لا عليك، سأقف هنا وأتلو له دعاء. الدعاء يصل دائماً. ألا يفعل؟».

منال أبو عبس

المصدر:
الحياة

خبر عاجل