#adsense

أسعد الله صباحك.. يا رفيق الحريري

حجم الخط

أسعد الله صباحك.. يا رفيق الحريري

حين وقف أمس رئيس "كتلة المستقبل" النائب سعد الحريري في ساحة الحرية، كان يدرك ان بحر الناس القادم من كل مناطق لبنان لا يمكن أن يرضى مثله بأقل من أن يكون لبنان أولاً وكذلك عدالة المحكمة الدولية.

منذ وصوله إلى ساحة الشهداء دخل الحريري إلى ضريح والده وأضرحة الشهداء المرافقين، كان يسير بهدوء ليصل إلى حيث الورود البيضاء التي تغطي حبيباً له فقده قبل أربعة أعوام. يقترب من الأكاليل الموزعة حول الضريح، وأمامها النظام الأساسي للمحكمة الدولية، يبتسم قليلاً فهو يدرك معنى انتظار أربعة أعوام والقاتل يتحرك طليقاً ويكمل جريمته بشهداء قدموا أغلى ما لديهم في سبيل الوطن، من باسل فليحان وسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيار الجميل ووليد عيدو وأنطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد.

وقف الحريري طويلاً أمام الورود التي تغطي الضريح، كأنه يحادث الرجل الشهيد عن الألم الكثير والحب والفرح لرؤية ناس لبنان في صباح العام الرابع، يتقاطرون من كل المناطق لتذكر الرجل الذي عمّر وعلّم وللاحتفال بالمحكمة الدولية. كأنه يقول له انظر من عليائك جيداً سترى كل الأحبة هنا، جميعهم من كل الأحياء والمناطق التي ظل الناس فيها أوفياء على الرغم من كل الضغوط والخيانات التي تلقاها اللبنانيون خلال السنوات الماضية، ومحاولات ادخال لبنان في حروب أهلية تحمي أنظمة مجرمة.

عائلات الشهداء يقتربون منه، يبكون على كتفه، ويشدون من وقفتهم كأنهم يضيعون بين أن يتركوا العنان لبكائهم أو يشدون من عزمهم. يتقدم محمد الذهبي شقيق الشهيد مازن الذهبي إلى الحريري، هنا يلتقيان دائماً مع أحبائهما، وهنا يشهدان سوياً على الناس الأوفياء كل عام منذ انفجار "السان جورج" وانطلاق الانتفاضة. يدور الشيخ سعد بين السياسيين وعائلات شهداء ثورة الأرز، يلتقي جيزيل خوري وصورة سمير قصير التي ترافقها منذ استشهاده في حزيران 2005، تمر في خاطره فكرة ان أغلى استقلال في العالم هو الاستقلال اللبناني.

أطفال صغار أحفاد أو أبناء للشهداء يقتربون من الشيخ سعد يقبّلونه ويقولون له كلاماً حول الانتصار والمحكمة والعدالة. يستمع للجميع ويحفظ وجوههم وأسماءهم، فكل عام يكبرون قليلاً ولا يتأخرون عن المجيء إلى الساحة، وكل عام يتأكد ان إرادة الناس هي التي ستوصل للحقيقة.

يخرج بين الناس رافعاً يديه، فترتفع الرايات أكثر من السابق، ولا تهدأ هتافات الموجودين في ساحة الشهداء وأمام الصيفي وفي الطريق البحرية شمالاً وجنوباً. يتقدم إلى الناس أكثر يصافحهم وكأنه يريد أن يشكر كل واحد منهم، بكلمة من قلبه كعادته كلما التقى الناس والأحبة.

يرى أمامه بحراً من الحب يتحرك، واناساً ما زالوا كلما اقتربوا من ساحة الشهداء يبكون لأنهم يتذكرون شهيد الوطن. رجال ونساء من عكار يرى وجوههم هنا بين الناس، كما رآهم العام الماضي حين أتوا ليؤكدوا مسيرة السيادة والعدالة.

الناس كثر هذا العام، أكثر بكثير من الأعوام التي سبقت، يخاف على الناس من أذية تطالهم حين عودتهم إلى منازلهم، فكل عام يفلت شركاء الوطن على الأحبة وهم لا يحسبون للأيام والسنوات القادمة حسابها.

تتقدم منه نايلة تويني فيرفع يدها عالياً، قال بعضاً من كلام والدها جبران تويني واحد من الشركاء في انتفاضة الاستقلال والحرية، ابنة صاحب القسم التاريخي الذي استشهد من أجل العدالة والحرية "معكم سنبقى امناء على مسيرة الحرية والسيادة وسنكمل الدرب لبنانيين، مسيحيين ومسلمين، ندافع عن لبنان العظيم الى ابد الآبدين".

وليد جنبلاط قريب من هنا وناس الجبل الطيبين كعادتهم تركوا قراهم وبيوتهم ولا يهدأون منذ الصباح في الساحة. أبناء الجنوب الذي خرجوا من منازلهم عند الرابعة صباحاً ليكونوا هنا مع وطنهم يرفعون قبضاتهم ليخبروه عن الحدود والأرض الحبيبة فلسطين. القادمون من المتن وكسروان والبقاع والشمال كلهم هنا فالوطن ليس وحيداً.

يرفع يده للناس ويتحدث قليلاً مع الحكيم، رفاق الدرب كلهم هنا، نواب استطاعوا الافلات من عبوات المجرم الناسفة، ووزراء تحملوا الاقامة القسرية في السرايا الحكومية لمدة عام ونصف لأجل لبنان.

الرئيس أمين الجميل والد صديقه الشهيد بيار الجميل يقف قوياً ولكنه يرى في عينيه حزناً يغور في الزمن، حزن الصديق في الشهادة من الأخ إلى الابن.

يرى في العمة بهية عيون والده، المرأة التي ما زالت تبكي كأن خبر استشهاد شقيقها ما زال في يومه الأول، يخبرها عن الأحبة الكثر الواقفين في ساحة الحرية كأنهم في يوم الرابع عشر من آذار 2005. بهية لا تريده أن يرى آلامها التي لا تنتهي، ولا تريده أن يحزن أكثر.

يقول الحريري في كلمته "المحكمة الدولية على الأبواب ولقد دقت ساعة الحقيقة، والعدالة ستدق ابواب كل الذين شاركوا في المسلسل الاجرامي في حق لبنان" فلا يعود يسمع صوته من هدير الناس، يبتسم لهم أن يتركوه يكمل خطابه، ولكنهم لا يهدأون فهم ينتظرون هذه اللحظة منذ الصباح الباكر، ينتظرون اللحظة التي يقف بينهم ويقول لهم وجهاً لوجه الكثير وتحديداً اسم المحكمة التي ستأتي بالعدالة.

يقول في خطابه "معاً واجهنا مسلسل الاغتيالات وواجهنا الحرب الاسرائيلية ونجحنا في الاصرار على المحكمة، ولم نستسلم لليأس"، كأنه يؤكد للناس ان النجاح في بناء الوطن يكون من خلال الاصرار على العدالة والانتصار في الانتخابات النيابية في السابع من حزيران.

في ساحة الشهداء وقف سعد الحريري أمام لبنان الشهيد رفيق الحريري، وأمام لبنان الذي بناه والده طوال سنوات بالحب والصبر، وتحمّل الضغوط في سبيل أن يمنع المجرم من سرقة هذا الوطن مرة باسم الوصاية ومرات باسم الأخوة ووحدة المسار والمصير.

هناك في ساحة الحرية وشهدائها، كان سعد الحريري يقول كلمته وهو يدرك ان النجاح في تحقيق المحكمة والحصول على حرية لبنان ما كان ليحصل لولا هذا الجمهور الذي لم يتأخر ولا مرة في تلبية نداء لبنان.

عمر حرقوص

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل