"الحكيم".. إن حكى (عبد السلام موسى)
دخل "الحكيم" ساحة الشهداء دون أن يراه أحد. تسلل من الباب الخلفي للقاعة الرسمية. كان ظهوره الهادئ مفاجئاً للوهلة الاولى. وما يلبث أن يختفي عن الأنظار تاركاً لصاحب الذكرى، وحليفه في "14 آذار"، وشريكه في الوطن، رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري في حضن شعب ثورة الارز، يبادلهم التحية بأفضل منها، نيابة عنه، الى حين يطل عليهم خطيباً. فقد صودف وصولهما الى الساحة معاً، كما كانا معاً في السراء والضراء طوال السنوات الاربع الماضية، وكما سيبقيان معاً يدافعان عن "لبنان أولاً" .
وقف رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع لبعض الوقت، يستطلع الاجواء داخل القاعة. على ما يبدو كان يسأل رفاقه عن المشاركة المسيحية في ذكرى 14 شباط، في الاستفتاء الشعبي الذي يحدد بوصلة الانتخابات النيابية المقبلة. كان مرتاحاً، لأن ظنه لم يخب بجمهوره، الذي اعتاد أن يكون دوماً على مستوى الحدث، على مستوى التحدي.
لم تفارق عيناه الشاشة التي تنقل صورة الخارج الى الداخل. عين على محدثه، وعين على شعب "14 آذار" في الساحة. بدا كمن اشتاق لمشهد جامع، يوحد المسلمين والمسيحيين، تحت راية العلم اللبناني، بعد كل ما عاناه هؤلاء طوال السنوات الاربع الماضية، من ظلم ذوي القربى.
مقعده بالقرب من رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة كان يناديه، فلبى النداء متأخراً، وقصده معانقاً الاخير بحرارة، كما عانق باقي الشخصيات من قيادات "14 آذار". جلس على كرسيه، وعاد الى هوايته في التأمل، وركز أنظاره على الشاشة، وكأن الحشد الكبير في ساحة الحرية يشعره بالمسؤولية، لإكمال النضال من أجل قيام الدولة، قولاً وفعلا،ً بما يترجم خطاب "القوات" المندفع نحو المستقبل، بعد خروجه من سجن استمر 11 عاماً، بفضل انتفاضة هذا الشعب في 14 آذار 2005.
إطلالة الاعلامية مي شدياق على القاعة الرسمية، جعلت "الحكيم" ينتفض من مكانه. راح يرمقها بنظرات حنونة، ويراقب حركتها مع ابتسامة فخر بشهيدة حية، لم تتخل عن مبادئها، كما لم يتخل هو، حين خرج من السجن إنساناً قوياً، وسياسياً محنكاً، متسلحاً بـ"جرأة الاعتذار" عن اخطاء الحرب، كي لا تبقى ميداناً لكل من يهوى نبش القبور ونكء الجراح.
وأطل النائب سعد الحريري، فعانقه بحرارة ايضاً، وجلسا يتبادلان أطراف الحديث. سأله الحريري عن رأيه بالحشد، فأطلق صافرة خافتة، كانت كافية لتعبر عن رضاه بزحف جمهور السيادة والحرية والاستقلال الى الساحة مجددا. كان يراقب الحريري على الشاشة لحظة بلحظة، يخترق حشود الاوفياء، ولم يخف تأثره حين راقب الحريص على وحدة "14 آذار" يقف بخشوع أمام الضريح، يقرأ الفاتحة عن روح والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري .
لم تخل جلسة الاستماع الى خطب قيادات "14 آذار" من أحاديث سريعة، مع الرئيس السنيورة من جهة، ومع النائب الحريري من جهة ثانية، الى أن حان موعده مع الخطاب، بعد رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.
من اعتذر من اللبنانيين، أطل عليهم مرتاحاً، اعتلى المنصة بثقة، وأطلق العنان لخطاب الحكم. طوع الشعر لمصلحة المحكمة بقوله "على قدر أهل العزم تأتي العزائم.. وتأتي على قدر الجرائم المحاكم". كان حريصاً على التأكيد على روح ثورة الارز، التي "لولاها لما بقي لبنان، ولا شعب، ولا أرز"، والتي "أعادت الارز الى بلاد الارز، وبلاد الارز الى العالم".
استذكاره الدائم لشهداء لبنان، اثار شعب "14 آذار"، فقاطعه مراراً وتكراراً. لم يترك المنصة، إلا وهو يؤكد للبنانيين "أننا لن نترك لبنان يسقط من جديد". انهى خطابه، تاركاً شعب "14 آذار" لا يفكر بإنجازات ثورة الارز التي تحقق منها الكثير، بل تركه يفكر بالعكس "ماذا لو لم تكن ثورة الارز؟".