أطماع ايرانية لا تعي التاريخ
لم تكن العلاقات العربية – الايرانية دائماً سمناً على عسل. ففي الوقت الذي نفترض انها ينبغي ان تكون كذلك، بناء على روابط الأُخُوّة الاسلامية والتاريخ المشترك وحسن الجوار واسس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، نجدها تجاوزت الخطوط الحمراء في كثير من المراحل، الى حد اندلاع الحروب ووقوع الاحتلالات وانقطاع العلاقات الدبلوماسية، وتبادل الاتهامات.. حدث هذا كثيراً في عهد الشاه المخلوع، كما تكرر اكثر منه في عهد حكم الملالي باسم الجمهورية الاسلامية.. أي قبل الثورة الاسلامية الايرانية وبعدها.
هذه المقدمة ليست نبشاً في التاريخ، ولكنها استذكار ضروري له، امام تجدد التصريحات الايرانية التي تهدد احدى الدول العربية، وهي البحرين، وربما للمرة الثالثة خلال العام الماضي والعام الحالي، وعلى لسان شخصيات قريبة من قائد الثورة الاسلامية الايرانية، وتتحمل مسؤوليات استشارية متقدمة.
تاريخياً لم تكن البحرين جزءاً من ايران، بل ظلت دولة عربية اسلامية مستقلة ذات سيادة، ومنذ اربعة قرون على وجه التقريب وهي تحكم من أسرة آل خليفة، ويتوارثون الحكم فيها أباً عن جد. واذا كان الفرس قد مرّوا على البحرين القديمة، فقد كان مرورهم مرور الغزاة الذين سرعان ما رحلوا، وتحررت البلاد منهم، حتى في العصور الوسطى المتأخرة.
واما في العصر الحديث فاننا لنعجبُ من التصريحات الايرانية المتكررة عن ان البحرين هي المحافظة الرابعة عشرة في ايران، بمعنى انها ارض ايرانية، وليست دولة مستقلة ذات سيادة. وهذا افتئات على التاريخ من جهة، وتجنّ على الواقع من جهة اخرى، وكشف عن مطامع ايرانية توسعية من جهة ثالثة، وتأكيد على استمرارها من جهة رابعة، وليست الاخيرة.
ونحن نستذكر هنا ان هذه المطامع الايرانية في الخليج ظلت قائمة في عهد الشاه المخلوع، وقد كنا نظن ذلك متصلاً بسياسة ذلك الحاكم الامبراطورية التوسعية او بمطامع عرش الطاووس. غير ان استمرار التخرصات نفسها في عهد الملالي باسم الثورة الاسلامية يجعلنا نتثبت من ان المصالح لا المبادئ هي التي تحكم ايران، الماضية، والحاضرة، وان المسألة تكمن في السياسات القائمة على التوسع والهيمنة، وليست على المبادئ والافكار التي تُرفع شعارات للحكم ووسائل للتمويه على الناس، والا فلماذا استمر التنازع على الأمن في الخليج العربي، وظل الاضطهاد سائداً ضد العنصر العربي في ايران الشاه، كما في ايران الثورة الاسلامية، وفي عهد الخميني، كما في عهود تلاميذه ومناصريه، حتى الآن. ولعل مسألة تسمية الخليج العربي بالفارسي، واحتلال الجزر الاماراتية الثلاث تؤخذ باعتبارها مؤشراً، ليس الاّ، على هذا النهج التوسعي، وتلك المطامع المستمرة وهو ما يتناقض مع ادعاءات الحرص على فلسطين والدفاع عن القدس!!.
لا نريد ان نكرر ان شعب البحرين كله يرفض رفضاً مطلقاً محاولات الهيمنة الايرانية، فهذا هو موقف الشعب العربي بادعاءات مضادة للتاريخ، ولا مجال للتذاكي على الناس بادعاءات مضادة للتاريخ. فقبل نحو اربعين عاماً قال شعب البحرين كلمته المدوية وتمسك بعروبته وحريته ودولته المستقلة العربية الاسلامية، ورفض أية تبعية لايران، في استفتاء اشرفت عليه الأمم المتحدة عام 1970. ومنذ ذلك الحين لم يكن الشعب البحريني الشقيق يبخل بشيء في سبيل تأكيد وحدته الوطنية واستقلاله وعروبته، فالبحرين عضو في الجامعة العربية وفي الامم المتحدة والمنظمات الدولية، ولا يمكن ان يُبنى أي حق سياسي على علاقة احتلال عابرة، او على مرحلة مضادة للتاريخ والجغرافيا معاً. كما ان هذه الادّعاءات التي ظلت تظهر وتختفي بين حين وآخر لا تعبّر الا عن اطماع توسعية لا تخدم مصالح الامتين العربية والايرانية، وانما هي تزيد الصف الاسلامي تمزيقاً وانقساماً، وهذا ما لا يريده الواعون المخلصون في الجانبين.