باقون..
هكذا إذن يا اخوان، أعاد أهل 14 آذار إحياء ذكرى 14 شباط بما هي ذكرى عودة الجمهورية الى الدنيا والوجود، وان كان أرزها مسقياً بالدم والدموع وليس بالماء فقط، ومحاطاً بالأرواح النبيلة وليس بالثلج فقط.
لكن المشوار لم ينتهِ بعد. ولم يصل أهل هذه الجمهورية الى خواتيم رجاهم ومبتغاهم وعنوان نضالهم. ولم ترتفع السارية تماماً بعد، ولم تتحقق حتى اللحظة كل الأمنيات والشعارات الكبيرة التي طرحت كشروط لا بُدّ منها للوصول الى الدولة المنشودة، والوطن المرتجى، والنظام الأنسب، والتركيبة الوثقى العاملة تحت بيرق لبنان أولاً.
لم يتوقف تأمر المتآمرين بعد، ولم تتوقف مشاريع إجهاض ثورة الأرز وأهلها، كي يُقال بلسان دمشقي ولهجة محلية لماذا كان النزول الى 14 شباط بعد 4 سنوات على الجريمة… ولم يتوقف بعد الهجوم المضاد الذي انطلق منذ 8 آذار 2005 وتُوّج في واحدة من معاركه في 7 أيار 2008 كي يُطرح السؤال الخبيث عن "معنى" إحياء الذكرى لهذا العام، كما لم يستسلم بعد أصحاب المشاريع الإقليمية الأكبر من حالهم وحالنا، وأوضاعهم وأوضاعنا أمام إرادة محلية وعربية ودولية ترفض العودة الى اعتماد بلدنا منصّة مفتوحة، فيما دولهم وجيوشهم وشعوبهم تنام أمام منصّات لا صوت فيها يعلو فوق الضجيج والصخب والصراخ ليس إلا.
ثم من قال، قبل ذلك وفوقه، إن الأخطار خفّت حيال بعض الخطوات المركزية التي حققها نضال ناس ثورة الأرز؟ ومن قال مثلاً، ان طريق المحكمة الدولية صارت آمنة تماماً عن يسارها ويمينها، وأولها وآخرها؟ ومن يضمن عدم استغلال أبواق خط الممانعة عن بُعد وأسيادهم، أي تراخ في المواجهة، وأي خلل في الأداء غير مقصود، وأي إشارة ملتبسة كي يحاولوا الانقضاض مجدداً على شروط إستكمال المحكمة والمحاكمة.. ومن قال ان سوية الاطمئنان حيال الاستهداف الأمني لرموز ثورة الأرز قد إكتملت، وان المجرم قد أرتوى أخيراً، وان حلقات مسلسله قد وصلت الى نهايتها؟ ومن قال ان الرد على 7 أيار لا يكون إلا بتعزيز الشعار الذي أرادوا إحراقه في ذلك اليوم المشؤوم؟ ومن قال ان الطريق نحو تأكيد الوجود في الانتخابات النيابية سلسة ولا مطبّات فيها ولا أفخاخ على أرصفتها؟ ومن قال ان شراسة مشروع الوصاية وأهله قد خفّ سعيرها وأوارها؟ ومن قال ان أفاعي الفتن نامت في شتاء جحورها وليس هناك من يحاول إشعال النار حولها لتدفئتها وأخراجها للضوء من جديد؟ ومن قال ان النيّات الحسنة تكفي لمواجهة الخبث ورواده؟ ومن قال ان لغة المحاججة بالتي هي أحسن هي وسيلة مأمونة لضمان البقاء والاستمرار والانتصار؟
لأن كل ذلك، وأكثر منه وأخطر وأفظع لا يزال حاضراً ناضراً يدقّ على أوتار الاستنفار واليقظة، نزل أهل 14 آذار الى ساحة الحرية، وهدر برقهم في سمائها، ونزل غيثهم على القحط يُنعش فيه نبض الروح مجدداً، ويخبر الزمان بطوفانه: اننا هنا، والى الأبد باقون. حتى استقامة العدل، وانتصار القتيل على القاتل، وقيام دولة تليق باسمها وأهلها وشهدائها.