"أولويات لبنان" .. في ضوء 14 شباط العام 2009
أثبت اللبنانيون مجددا في الرابع عشر من شباط، الذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، أنهم ما زالوا على العهد بالاستقلال التام والناجز لبلدهم، وأن ما يجمعهم في الواقع أكثر بكثير مما يفرقهم (مقولة الرئيس الشهيد التي أعاد التأكيد عليها في المناسبة نجله النائب سعد الحريري) بالرغم من كل ما يحاول البعض اشاعته والترويج له على النقيض من ذلك.
بل أثبت اللبنانيون مجددا كذلك أن مسيرة السيادة والحرية والاستقلال واعادة بناء الدولة، التي اختطها الرئيس الشهيد ورفاقه ودفعوا دمهم على طريقها ـ الشهداء منهم والأحياء على حد سواء ـ ما زالت حاشدة بالجماهير المؤمنة بها والعاملة في سبيلها من أجلها، وبالرغبة في تلبية النداء من أجل تصعيدها والسعي للوصول بها الى هدفها النهائي. لا الترهيب وقف في الطريق، ولا التخويف حال دون تجديد التمسك بالهدف والاصرار على العمل في سبيله، ولا قبل ذلك وبعده ما تم تنظيمه على مدى السنوات الأربع من حملات تيئيس ودس رخيص كانت تضاف بصورة دائمة الى ما خبره اللبنانيون على تعدد أطيافهم ومواقفهم ومناطقهم وانتماءاتهم من "اعتكافات" و"استقالات" و"اعتصامات" و"غزوات مسلحة"، فضلا عما بات أشبه بخبزهم اليومي من "تهديدات بالويل والثبور" ترد اليهم من الداخل والخارج سواء بسواء .
في الرابع عشر من شباط، أول من أمس، ارتفعت على ما عداها اعلانات استعداد اللبنانيين مرة أخرى للتضحية على مذبح الاقفال الكامل للغابة، وقوانين الغابة حيث الغلبة للقوة، والعمل من أجل استعادة الدولة من براثن الذين اختطفوها وعاثوا فسادا وافسادا فيها على امتداد سنوات وعقود طويلة. ولم تكن التلميحات السريعة، وحتى الاشارات الصريحة، الى موعد الانتخابات النيابية المقبلة وما يستطيع اللبنانيون أن يفعلوه فيها، الا من قبيل التأكيد مجددا على شيئين في وقت واحد: الاحتكام الى الديموقراطية وقواعدها من ناحية، والاصرار على ارسال من يمثل أحلامهم وتطلعاتهم الى المجلس النيابي، واذا الى جهاز الحكم المقبل للدولة، من ناحية ثانية.
" لبنان أولا"، هكذا كرر سعد الحريري أكثر من مرة وبصوت عال. ولبنان هذا، ليس لبنان الذي يطعم الناس سياسة أو شعارات أو كلاما من فوق السطوح، بل لبنان الذي يوفر لمواطنيه كل ما يحتاجون اليه في أمنهم الاجتماعي… العمل، والتعليم، والصحة، والحقوق الانسانية، وضمان الشيخوخة، ورعاية الأمومة والطفولة، ولكن أساسا وقبل كل شيء التنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة.
وذكرى الرابع عشر من شباط، بما هي ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، هي المناسبة المثلى ـ على كل ما تحمله من وجع داخلي ـ لاعادة تأكيد هذه الحقيقة. بل ان "الحقيقة" التي يستمر البحث عنها في ما يتعلق بالجريمة الكبرى، جريمة الاغتيال الأولى وجرائم الاغتيال ومحاولات الاغتيال الأخرى، مرتبطة بدورها بهذه الحقيقة التي ينشدها اللبنانيون ويطالبون بها لأمنهم الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ الانساني قبل كل شيء. وبعد ذلك، بعده فقط، ليتحدث من يريد أن يتحدث في السياسة أو في غيرها من الأمور .
لقد تأكد بما لا يدع مجالا للشك، من خلال الحشد الشعبي الواسع من كل المناطق والأطياف كما من خلال الكلمات التي ألقيت وكذلك الشعارات التي رفعت، أن الأولويات اللبنانية هي في صلب حركة الرابع عشر من شباط (في اللغة السياسية الحالية، حركة 14 آذار)، وأن هذه الأولويات تتدرج كما يأتي:
أولا: بناء الدولة السيدة المستقلة الحرة، ولكن قبل ذلك وبعده حتما دولة التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي تضع حقوق اللبنانيين وحاجاتهم الأساسية في أعلى سلم اهتماماتها خصوصا في الوقت الذي يمر فيه العالم كله في ما يمر من أزمات مالية واقتصادية خانقة. فدولة تلبي هذه الحاجات الماسة، وتواجه تلك التحديات الكبيرة، وحدها من يستطيع ويملك القدرة على أن يواجه العدو … أي عدو، وفي المقدمة منه حتما العدو الاسرائيلي للبنان وللأمة، بل وللمنطقة كلها.
وكل ما عدا ذلك، قالت حركة 14 آذار في ذكرى 14 شباط أول أمس، ليس سوى نوع من الترف (بل، وحتى الغباء) السياسي والفكري .
ثانيا: انه ليس لأحد من اللبنانيين، كل اللبنانيين من دون استثناء، عدو في الداخل ـ قالها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط ـ بالرغم مما قد يخطر في أذهان البعض عن وجود مثل هذا "العدو" الموهوم.
واذا، فاللبنانيون الذين نزلوا الى ساحة الحرية في هذه الذكرى يرمزون الى اللبنانيين كلهم، وبخاصة الى آمالهم وأحلامهم الواحدة في العيش الكريم في وطن مستقل من جهة، وجنبا الى جنب من جهة ثانية. وبهذا المعنى، فكل ما يقال ـ وحتى ما يمارسه البعض على الأرض من نوع التعرض للمشاركين في الذكرى لدى عودتهم الى بيوتهم ـ ليس الا تشويها مفتعلا للحقيقة اللبنانية التي تم تزييفها والتلاعب بها على مدى سنوات الحرب ولا تزال تعاني هذا الصنف المفتعل من عمليات التزييف والتلاعب.
… ومرة أخرى، كما قال سعد الحريري عشية الذكرى، فما يجمع اللبنانيين بعضهم الى بعض أكثر بكثير مما يفرقهم .
ثالثا: ان المحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد وزملائه الشهداء، النواب منهم والمثقفين والصحافيين والعسكريين، ليست لاحقاق العدالة فقط، على أهمية ذلك المطلقة، وانما هي أيضا وبموازاة ذلك لحماية هذا اللبنان المنشود والحيلولة دون مواصلة العمل على تخريبه ومنعه من العودة مجددا الى الحياة .
هي "محكمة خاصة للبنان"، كما هو اسمها الرسمي في الأمم المتحدة، من جهة، كما لا شك من جهة ثانية في أن العامل الأهم في ما عاناه لبنان خلال الفترة الماضية يكمن في صلب هذه المعادلة بالذات: منع احقاق العدالة، من أجل منع اعادة بناء البلد من جديد .
ذلك أن العدالة واحدة، وبقدر ما تشكل عقابا لمن قرر عامدا متعمدا اراقة دماء الشهداء، فهي السبيل الذي لا بد منه لحياة الأفراد والشعوب … "ولكن في القصاص حياة يا أولي الألباب"، قال تعالى في كتابه الكريم.
وعندما يتزامن موعد انطلاق المحكمة في الأول من آذار المقبل مع موعد اجراء الانتخابات النيابية بعد ذلك بشهور فقط، في 7 حزيران، يصح الحديث عن تزامن بدء رحلة احقاق العدالة للبنان وفيه مع بدء رحلة اعادة بنائه مجددا كبلد واعد لأهله … وحتى للمنطقة كذلك .
رابعا: ان ما يحتاجه اللبنانيون، للوصول الى مبتغاهم، هو المزيد من الصمود وحتى المزيد من الصبر. لكن ما يحتاجونه في الوقت نفسه المزيد من الحكمة، كما قال سعد الحريري في كلمته الى الجماهير المحتشدة في ذكرى الرابع عشر من شباط.
فاعادة بناء الأوطان، خصوصا تلك التي تم تهديمها عمدا وبصورة ممنهجة على مدى سنوات طوال، لا تكون الا باعتماد الأقانيم الثلاثة معا وفي وقت واحد: الصمود والصبر والحكمة. وما عانى منه اللبنانيون، وصمدوا في وجهه وصبروا، مؤشر الى ما لا بد أن يكون عليه المستقبل.